الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              [ ص: 263 ] ( وله الشهادة بالتسامع ) الذي لم يعارضه ما هو أقوى منه كإنكار المنسوب إليه أو طعن أحد في انتسابه إليه كذا أطلقوه ويظهر أنه لا بد من طعن لم تقم قرينة على كذب قائله ( على نسب ) لذكر أو أنثى كائن ( من أب أو قبيلة ) كهذا ولد فلان أو من قبيلة كذا لتعذر اليقين فيهما إذ مشاهدة الولادة لا تفيد إلا الظن فسومح في ذلك قال الزركشي أو على كونه من بلد كذا المستحق وقفا على أهلها ونحو ذلك ( وكذا أم ) فيقبل بالتسامع على نسب منها ( في الأصح ) كالأب وإن تيقن بمشاهدة الولادة ( و ) كذا ( موت على المذهب ) ؛ لأنه قد يتعذر إثباته بموته في قرية مثلا ( لا عتق وولاء و ) أصل ( وقف ) مطلق أو مقيد على جهة أو معين صحيح وكذا فاسد كوقف على النفس أنهي لشافعي فثبت عنده بالاستفاضة فله على ما يأتي من التصحيح إثباته بها على ما اقتضاه إطلاقهم لكن قال أبو زرعة : المدرك يقتضي خلافه ؛ لأنا إنما أثبتنا الصحيح بها احتياطا والفاسد ليس كذلك ( ونكاح وملك في الأصح ) لتيسر مشاهدتها ( قلت الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع ) وفي نسخة في الوقف والثابت في خطه الأول ( الجواز والله أعلم ) ؛ لأن مدتها إذا طالت عسر إثبات ابتدائها فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع وصورة الاستفاضة بالملك أن يستفيض أنه ملك فلان من غير إضافة السبب فإن استفاض سببه كالبيع لم يثبت بالتسامع إلا الإرث ؛ لأنه ينشأ عن النسب والموت وكل منهما يثبت بالتسامع وخرج بأصل الوقف شروطه وتفاصيله فلا يثبتان به استقلالا ولا تبعا على المنقول على ما قاله الزركشي ردا على من فصل كابن الصلاح ومن تبعه كالإسنوي وغيره لكن ذلك المنقول وهو ما أفتى به المصنف وسبقه إليه ابن سراقة وغيره إنما هو إطلاق فقط [ ص: 264 ] وهو يمكن حمله على ذلك التفصيل وهو أن محل عدم القبول إن شهد بالشروط وحدها بخلاف ما إذا شهد بها مع أصل الوقف ؛ لأن حاصلها يرجع إلى بيان وصف الوقف وتبيين كيفيته وذلك مسموع كما أفتى به ابن الصلاح وغيره .

                                                                                                                              وإذا لم تثبت التفاصيل قسمت الغلة على أربابها بالسوية فإن كان على مدرسة تعذرت شروطها صرفها الناظر فيما يراه من مصالحها أهم كما مر في الوقف . وبحث البلقيني ثبوت شرط يستفيض غالبا ككونه على حرم مكة قال ومحل الخلاف في غير حدود العقار فهي لا تثبت بذلك كما قاله ابن عبد السلام وإن اقتضى كلام الشيخ أبي حامد خلافه وللسبكي إفتاء طويل حاصله أنه لا يرجع في الحدود إلى ما في المستندات مطلقا ؛ لأن كتابها لا يعتمدون فيها غالبا على وجه صحيح صريح بل لا بد من بينة صريحة بأن الحد الفلاني ملك لفلان قال : وشهادة الشهود بأن ملك الدار الفلانية وحيازتها لفلان لا يثبت بها حدودها ؛ لأنها ليست نصا في ذلك وإن ذكروا الحدود ؛ لأنهم إنما يذكرونها على سبيل الصفة أو التعريف لا غير فلا بد أن يصرحوا بأنهم يشهدون بها وإلا صدق ذو اليد عليها بيمينه قال وكذلك ما يقع في المستندات من أقر مثلا فلان بن فلان بكذا فلا تثبت بذلك بنوة فلان لفلان ؛ لأنها لم تقع قصدا صريحة وأطال في هذا أيضا ولما ذكرت ذلك كله عنه بطوله في الفتاوى اعترضته بأن المنقول الذي جرى عليه ابنه التاج ثبوت البنوة ضمنا خلافا لمالك وبعض أصحابنا وقياسها أن الشاهد لو قال أشهد أن الدار المحدودة بكذا أقر بها مثلا فلان كان شهادة بالحدود ضمنا وبالإقرار أصلا ومع ذلك لا يعتد بما في المستندات من ذكر الحدود إلا إن صرح الشاهد بأنه يشهد بها ولو ضمنا كما تقرر أو يشملها الحكم كأن يقول : حكمت بجميع ما فيه ولما بسطت ذلك في الفتاوى قلت : نعم الحق أنه لا يقبل في البنوة والحدود ما مر إلا من شاهد مشهور بمزيد التحري والضبط والمعرفة بحيث يغلب على الظن أنه لم يذكر البنوة والحدود إلا بعد أن استند بهما إلى وجه صحيح يجوز له اعتماده فيهما وكلامهم في مواضع دال على ذلك ومما يثبت بذلك أيضا ولاية قاض واستحقاق زكاة ورضاع وجرح وتعديل وإعسار ورشد وغصب وأن هذا وارث فلان أو لا وارث له غيره قال الرافعي وغيره وإنما تقبل الشهادة بكون المال بيد زيد بالمشاهدة دون الاستفاضة واعترضوا بأن المنصوص أنه تكفي وقال الهروي إنه متفق عليه .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : وله الشهادة بالتسامع على نسب من أب أو قبيلة إلخ ) قال في الروض ولو سمعه يقول هذا ابني لصغير أو كبير وصدقه أي : الكبير جاز أن يشهد بنسبه ولو سكت أي : المنسوب الكبير جاز أن يشهد بالإقرار أي : لا بالنسب ا هـ . قال في شرحه : وترجيح الحكمين من زيادته ثم قال : فإن قلت قضية كلامه في الحكم الثاني أن الراجح ثبوت النسب بالإقرار حال السكوت وهو ما جزم به أصله هنا كما رأيت فيخالف عكسه المعتمد الذي جرى هو عليه في الإقرار قلت : لا نسلم أن قضيته ذلك فإن قلت فيلزم على عدم ثبوته به أن الراجح عدم جواز الشهادة بذلك قلت لا نسلم لجواز أن يصدقه بعد سكوته فينكر إقراره [ ص: 264 ] فيقيم البينة به ليثبت النسب ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : قال الرافعي وغيره وإنما تقبل الشهادة بكون المال بيد زيد بالمشاهدة دون الاستفاضة ) قال في الروض ولا يثبت دين باستفاضة ا هـ قال في شرحه : لأنها لا تقع في قدره كذا علله [ ص: 265 ] ابن الصباغ قال الزركشي ويؤخذ منه أن ملك الحصص من الأعيان لا يثبت بالاستفاضة ا هـ



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قول المتن بالتسامع ) أي : الاستفاضة شيخ الإسلام ومغني .

                                                                                                                              ( قوله : الذي لم يعارضه إلخ ) عبارة الروض مع شرحه والمغني وصورة الاستفاضة في التحمل أن يسمع الشاهد المشهود بنسبه ينتسب إلى الشخص أو القبيلة والناس ينسبونه إلى ذلك وامتد ذلك مدة ولا تقدر بسنة بل العبرة بمدة تغلب على الظن صحة ذلك وإنما يكتفى بالانتساب ونسبة الناس بشرط أن لا يعارضهما ما يورث تهمة فإن أنكر النسب المنسوب إليه لم تجز الشهادة وكذا لو طعن بعض الناس في نسبه وإن كان فاسقا لاختلال الظن حينئذ ا هـ . ( قوله : أو طعن أحد إلخ ) أي : ولو فاسقا أسنى . ( قول المتن على نسب إلخ ) ولو سمعه الشاهد يقول هذا ابني لصغير أو كبير وصدقه الكبير أو أنا ابن فلان وصدقه فلان جاز له أن يشهد بنسبه ولو سكت المنسوب الكبير جاز للشاهد أن يشهد بالإقرار لا بالنسب مغني وروض وفي شرحه هنا سؤال وجواب راجعه إن شئت . ( قوله : إذ مشاهدة الولادة إلخ ) أي : على الفراش مغني . ( قوله : فسومح في ذلك ) عبارة الأسنى والمغني والحاجة داعية إلى إثبات الأنساب إلى الأجداد المتوفين والقبائل القديمة فسومح فيه ا هـ . ( قوله : أو على كونه إلخ ) عطف على قول المتن على نسب إلخ . ( قوله : المستحق إلخ ) نعت لبلد كذا وكان الأولى المستحق أهلها على وقف كذا . ( قوله : ونحو ذلك ) عطف على قوله كونه إلخ . ( قوله : فيقبل ) يعني أداء الشهادة وفي بعض النسخ بالمثناة الفوقية وهي ظاهرة .

                                                                                                                              ( قوله : وإن تيقن إلخ ) نائب فاعله ضمير النسب رشيدي . ( قوله : لأنه قد يتعذر إلخ ) عبارة المغني كالنسب ولأن أسبابه كثيرة منها ما يخفى ومنها ما يظهر وقد يعسر الاطلاع عليها فجاز أن يعتمد على الاستفاضة ا هـ . ( قوله : في قرية ) لعله محرف عن غربة بالغين والباء . ( قول المتن لا عتق ) عطف على نسب في المتن . ( قوله : وأصل وقف ) قال البلقيني محله عندي فيما إذا أضيف إلى ما يصح الوقف عليه فأما مطلق الوقف فلا لجواز أن يكون مالكه وقفه على نفسه واستفاض أنه وقف وهو وقف باطل قال : وهذا مما لا توقف فيه انتهى ا هـ . رشيدي . ( قوله : وأصل وقف ) سيذكر محترز الأصل . ( قوله : على جهة ) أي : عامة مغني . ( قوله : صحيح ) نعت وقف . ( قوله : أنهي إلخ ) أي : رفع أمر الوقف على نفس الواقف لحاكم شافعي . ( قوله : بالاستفاضة ) أي : بالشهادة المستندة عليها . ( قوله : على ما يأتي ) أي : آنفا في المتن . ( قوله : الأول ) أي : في الجميع . ( قوله : لأن مدتها ) إلى قوله استقلالا في النهاية . ( قوله : بالتسامع ) أي : الاستفاضة ولا يشك أحد أن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأن فاطمة رضي الله تعالى عنها بنت النبي صلى الله عليه وسلم ولا مستند غير التسامع وحيث ثبت النكاح بالتسامع لا يثبت الصداق به بل يرجع لمهر المثل ا هـ مغني .

                                                                                                                              ( قوله : وخرج ) إلى قوله كما مر في المغني والأسنى إلا قوله استقلالا إلى لكن ذلك . ( قوله : على ما قاله الزركشي إلخ ) إنما تبرأ عنه لما يأتي أن المنقول إنما هو إطلاق أنه لا يثبت بالاستفاضة شروط الوقف وتفاصيله بدون التعميم المذكور بقوله أي : الزركشي استقلالا ولا تبعا . ( قوله : لكن هذا المنقول وهو ما أفتى به إلخ ) عبارة المغني . ( تنبيه ) ما ذكره في الوقف هو بالنظر إلى أصله وأما شروطه فقال المصنف في فتاويه لا تثبت بالاستفاضة شروط الوقف وتفاصيله ا هـ والأوجه كما قال شيخنا حمله على ما قاله ابن الصلاح فإنه قال يثبت بالاستفاضة أن هذا وقف [ ص: 264 ] لا أن فلانا وقفه وأما الشروط فإن شهد بها مفردة لم تثبت بها وإن ذكرها في شهادته بأصل الوقف سمعت ؛ لأنه يرجع حاصله إلى بيان كيفية الوقف انتهى وهو شيخه كما قاله ابن قاسم قال الإسنوي ولا شك أن المصنف لم يطلع عليه أي : ما قاله ابن الصلاح ا هـ بحذف . ( قوله : وهو يمكن حمله على ذلك التفصيل إلخ ) جرى على ذلك الحمل شيخ الإسلام والمغني كما مر آنفا . ( قوله : على أربابه ) أي : مستحقي الوقف . ( قوله : فإن كان على مدرسة إلخ ) وإن كان وقفا على جماعة معينين أو جهات متعددة قسمت الغلة بينهم بالسوية أسنى ومغني . ( قوله : شروطها ) يعني شروط الوقف على المدرسة . ( قوله : وبحث البلقيني ) إلى قوله وللسبكي في النهاية . ( قوله : وللسبكي إفتاء إلخ ) يؤيده قول الشارح في التنبيه السابق كثيرا ما يعتمد الشهود إلخ وقوله : وقد تساهل جهلة الشهود إلخ فتدبر ثم رأيت قوله الآتي قلت نعم إلخ وهو كلام نفيس ا هـ سيد عمر .

                                                                                                                              ( قوله : مطلقا ) أي : ذكرت الحدود فيها أصلا أو ضمنا . ( قوله : مطلقا ) أي : سواء كان على سبيل القصد والصراحة أو على سبيل الضمن والتبعية . ( قوله : من أقر فلان إلخ ) بيان لما . ( قوله : فلا تثبت بذلك ) أي : بالشهادة بذلك الإقرار . ( قوله : عنه ) أي : السبكي . ( قوله : ثبوت البنوة ضمنا ) تقدم عن المغني اعتماده . ( قوله : وقياسها ) أي : مسألة البنوة . ( قوله : بأنه يشهد ) الأخصر الواضح بالشهادة بها أي : الحدود . ( قوله : ما مر ) أي : نحو قول الشاهد إن شهد فلان بن فلان أقر بكذا وقوله : أشهد أن الدار المحدودة بكذا أقر بها فلان . ( قوله : ومما يثبت ) إلى قوله قال الرافعي في النهاية وكذا في المغني إلا قوله وإعسار وغصب . ( قوله : بذلك ) أي : الاستفاضة . ( قوله : ورضاع ) مر ما ينافيه في شرح ولا تجوز شهادة على فعل إلخ وكذا قوله : وغصب مر ما ينافيه في المتن . ( قوله : قال الرافعي إلخ ) اعتمده المغني . ( قوله : دون الاستفاضة ) . ( تتمة ) لا يثبت دين بالاستفاضة لأنها لا تقع في قدره كذا علله ابن الصباغ قال الزركشي ويؤخذ منه أن ملك الحصص من الأعيان لا يثبت بالاستفاضة قال والوجه القائل بثبوت الدين بالاستفاضة قوي وكان ينبغي للمصنف ترجيحه كما رجح ثبوت الوقف ونحوه بها لا فرق بينهما أسنى ومغني . ( قوله : واعترضوا ) ببناء المفعول




                                                                                                                              الخدمات العلمية