الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
12001 5479 - (12409) - (3\138 - 139) عن أنس، قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله! إن لي بمكة مالا، وإن لي بها أهلا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا؟ فأذن له

[ ص: 235 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه،
فإنهم قد استبيحوا، وأصيبت أموالهم. قال: ففشا ذلك بمكة، فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحا وسرورا. قال: وبلغ الخبر العباس فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم.

قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم، قال: فأخذ ابنا له يقال له: قثم، فاستلقى، فوضعه على صدره وهو يقول:


حبي قثم شبيه ذي الأنف الأشم نبي ذي النعم برغم من رغم

قال ثابت، عن أنس: ثم أرسل غلاما إلى الحجاج بن علاط: ويلك! ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به. قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره، فجاء غلامه، فلما بلغ باب الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل. قال: فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه، فأخبره ما قال الحجاج، فأعتقه. قال: ثم جاءه الحجاج، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي فاتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال كان لي هاهنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثا، ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع، فجمعته فدفعته إليه، ثم انشمر به.

فلما كان بعد ثلاث، أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: " لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك. قال: أجل لا يحزني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا: فتح الله خيبر على رسوله صلى الله عليه وسلم وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ ص: 236 ] صفية بنت حيي لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا، قال: فإني صادق، الأمر على ما أخبرتك.

فذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: " لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال لهم: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر قد فتحها الله على رسوله، وجرت فيها سهام الله، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثا، وإنما جاء ليأخذ ماله، وما كان له من شيء هاهنا، ثم يذهب.

قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبا حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون، ورد ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين.


التالي السابق


* قوله : " قال الحجاج بن علاط " : - بكسر عين مهملة وتخفيف لام - ، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر، فأسلم، وسكن المدينة.

وروى ابن أبي الدنيا في " هواتف الجان " من طريق واثلة بن الأسقع: كان سبب إسلام الحجاج: أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل، استوحش، فقام يحرس أصحابه، ويقول " : أعيذ نفسي وأعيذ صحبي حتى أعود سالما وركبي، فسمع قائلا يقول " : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا [الرحمن: 33]، الآية، فلما قدم مكة، أخبر بذلك قريشا، فقالوا له: إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه، قال " : فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: هو بالمدينة، قال " : فأسلم الحجاج، وحسن إسلامه، ذكره في " الإصابة " .

[ ص: 237 ] * " فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم " : يدل على جواز الكذب لحفظ المال ونحوه، وعلى أنه إذا كان ذاك الكذب كلاما في أحد، فاستأذن منه المتكلم، فليأذن له فيه; لئلا يتضرر بضياع المال.

* " استبيحوا " : على بناء المفعول; من الاستباحة; أي: إن يهود خيبر غلبوا عليهم، وأخذوا أموالهم.

* " وانقمع " : في " القاموس " : " انقمع " : دخل البيت مستخفيا.

* " فعقر " : على بناء المفعول; أي: صار كالمعقور الذي لا يستطيع القيام من محله.

* " يقال له قثم " : - بقاف ومثلثة - ؟ كعمر وزفر، غير منصرف، قال ابن السكن وغيره: كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم.

* " حبي قثم " : - بكسر الحاء وتشديد الباء - ; أي: محبوبي.

* قوله : " شبيه ذي الأنف الأشم " : - بتشديد الميم - ; من الشمم - بفتحتين - ، وهو ارتفاع قصبة الأنف وحسنها، واستواء أعلاها، وانتصاب الأرنبة، يريد بذي الأنف الأشم: النبي صلى الله عليه وسلم.

" فقوله: " نبي ذي النعم " : بيان له، والمراد بذي النعم: الله.

* " برغم من رغم " : في " القاموس " : الرغم: الكره، رغمه; كعلمه ومنعه: كرهه، والذل، ورغم أنفه: ذل عن كره.

وهذا وما بعده يدل على إيمان العباس يومئذ، وأن هذا الحب له بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لمجرد القرابة.

[ ص: 238 ] * " حتى قبل " : من التقبيل.

* " وغنم " : كسمع.

* " فأخف " : من الإخفاء.

* " من حلي " : - بضم حاء وكسر لام وتشديد ياء - : جمع حلي - بفتح فسكون - ; كثدي وثدي، ويجوز هاهنا أن يقرأ بالإفراد.

* " لا يخزيك الله " : - بضم الياء - ; من الخزي، وجعله من الحزن لا يوافق الجواب ظاهرا.

* " لا يخزني " : الظاهر أنه نفي من الخزي، وحذف الياء لمجرد التخفيف; كما في قوله تعالى: والليل إذا يسر [الفجر: 4]، وجعله نهيا بعيد، وقد يقال: يجوز أن يجعل من حزن يحزن; كنصر، أو من أحزن، على أن لا يحزني - بتشديد النون بإدغام نون الكلمة في نون الوقاية - .

* " وهم يقولون " : أي: للعباس.

* " إذا مر بهم " : أي: في تلك الأيام، أو في ذلك اليوم.

* " الكآبة " : كالكراهة; أي: المشقة والتعب.

* " مكتئبا " : أي: كئيبا حزينا.

* " فسر " : على بناء المفعول.

* " ورد " : على بناء المفعول أيضا، والله تعالى أعلم.

وفي " المجمع،: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

* * *




الخدمات العلمية