الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثاني في استسقائه- صلى الله عليه وسلم- بخطبتين ، وعلى منبر وصلاة بركعتين بلا أذان وبلا إقامة

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : فيما ورد في خطبته- صلى الله عليه وسلم- قبل الصلاة :

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام الشافعي ، عن ابن عباس ، - رضي الله تعالى عنهما- قال : «خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متبذلا متخشعا متوسلا متواضعا حتى أتى المصلى فرقى المنبر ، ولم يخطب كخطبته هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير والتضرع ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الأئمة ، عن عبد الله بن زيد المازني- رضي الله تعالى عنه- قال : «خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى المصلى يستسقي فدعا فأطال الدعاء ، وأكثر المسألة ، واستسقى ثم استقبل القبلة ، ثم قلب رداءه ، وجعل إلى الناس ظهره ، يدعو» وفي لفظ : «عليه خميصة سوداء ، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه ، فقلبها عليه الأيمن على الأيسر ، والأيسر على الأيمن» وفي رواية قال المسعودي : «سألت أبا بكر محمد بن عمرو أجعل أعلاه أسفله ؟ أو اليمين على الشمال ؟ قال : بل اليمين على الشمال ثم صلى ركعتين» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود ، وابن حبان ، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- ، قالت : شكا الناس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قحوط المطر ، فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ، ووعد الناس يوما يخرجون فيه ، فخرج حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فكبر وحمد الله تعالى فقال : - إنكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم- ، ثم قال : «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم . ملك يوم الدين ، لا إله إلا الله يفعل الله ما يريد ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين» ، ثم رفع يديه [فلم يزل في الرفع] حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حل رداءه ، وهو رافع يديه ، ثم أقبل على الناس ، ونزل فصلى ركعتين ، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى ، [ ص: 338 ] فلم يأت مسجده حتى سالت السيول ، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك ، حتى بدت نواجذه ، فقال : «أشهد أن الله على كل شيء قدير ، وأني عبد الله ورسوله» .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في صلاته- صلى الله عليه وسلم- قبل الخطبة .

                                                                                                                                                                                                                              روى الدارقطني ، وأبو داود ، عن طلحة بن عبد الله بن عوف ، قال : «سألت ابن عباس» وفي لفظ «أرسلني مروان إلى ابن عباس- رضي الله [تعالى] عنهما- لأسأله عن سنة الاستسقاء ، فقال : سنة الاستسقاء [سنة] صلاة العيد ، إلا أن النبي- صلى الله عليه وسلم-[قلب رداءه ، فجعل يمينه على يساره ، ويساره على يمينه ، فصلى ركعتين بغير أذان ولا إقامة وكبر فيهما ثنتي عشرة تكبيرة ، سبعا في الأولى ، وخمسا في الآخرة ، وجهر بالقراءة ، ثم انصرف فخطب ، واستقبل الناس القبلة ، وحول رداءه» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، وابن ماجه ، والبيهقي ، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال :

                                                                                                                                                                                                                              «خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يستسقي ، فصلى ركعتين ، بلا أذان ولا إقامة ، ثم خطبنا فدعا الله تعالى وحول وجهه إلى القبلة ، رافعا يديه ، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر ، والأيسر على الأيمن» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن قتيبة الحديث- بسند ضعيف- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج للاستسقاء فتقدم فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و سبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و هل أتاك حديث الغاشية فلما قضى صلاته ، استقبل القوم بوجهه ، وقلب رداءه ، ثم جثا على ركبتيه ورفع يديه ، وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي ، ثم قال :

                                                                                                                                                                                                                              «اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، رحبا ربيعا ، وجدا غدقا طبقا مغدقا هنيئا مريعا مربعا سريعا وابلا شاملا مسيلا ثجلا دائما دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث ، اللهم تحيي به البلاد ، وتغيث به العباد ، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد ، [اللهم أنزل علينا في أرضنا نبتها وأنزل في أرضنا سكنها] اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا ، فأحيي به بلدة ميتة واسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا»
                                                                                                                                                                                                                              . [ ص: 339 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن صصرى في أماليه عن [جعفر بن] عمرو بن حريث ، عن أبيه ، عن جده- رضي الله تعالى عنهم- قال : «خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نستسقي فصلى بنا ركعتين ، ثم قلب رداءه ورفع يديه فقال : «اللهم ضاحت جبالنا واغبرت أرضنا وهامت دوابنا ، معطي الخير من أماكنها ومنزل الرحمة من معادنها ، ومجري البركات على أهلها بالغيث المغيث ، أنت المستغفر الغفار ، فنستغفرك للحامات من ذنوبنا ، ونتوب إليك ، من عوام خطايانا ، اللهم فأرسل السماء علينا مدرارا وصل بالغيث ، واكف من تحت عرشك حيث يسعفنا ويعود علينا غيثا مغيثا عاما طبقا مجللا غدقا خصيبا رائقا ممرع النبات» .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في دعائه- صلى الله عليه وسلم- . قائما ورفعه يديه ، واستقباله إذا اجتهد في الدعاء :

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال : «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمد يديه حتى إني لأرى بياض إبطيه- يعني في الاستسقاء» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان ، وأبو داود والنسائي ، وابن ماجه والدارقطني ، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال : «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا استسقى أشار بظهر كفيه إلى السماء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود عنه ، «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يستسقي هكذا ، ومد يديه ، وجعل بطونهما مما يلي الأرض ، حتى رأيت بياض إبطيه» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني ، والبزار- بسند حسن أو صحيح عن سمرة بن جندب- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يدعو إذا استسقى : «اللهم أنزل في أرضنا بركتها ، وزينها وسكنها» [وفي رواية : ] «وارزقنا ، وأنت خير الرازقين» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود ، عن عبد الله بن عمرو- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا استسقى : «اللهم اسق عبادك وبهائمك ، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت» . [ ص: 340 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني ، عن جابر بن عبد الله ، وأنس- رضي الله تعالى عنهم- قالا : «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا استسقى قال : «اللهم اسقنا سقيا وادعة نافعة ، تشبع بها الأنفس غيثا ، هنيئا مريئا طبقا مجللا يشبع به بادينا وحاضرنا تنزل به من بركات السماء ، وتخرج لنا به من بركات الأرض وتجعلنا عنده من الشاكرين ، إنك سميع الدعاء» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني ، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استسقى فقال : «[اللهم] اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا عاجلا غير رائث ، نافعا غير ضار» فما لبثنا أن مطرنا حتى سال كل شيء حتى أتوه فقالوا : قد غرقنا فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «اللهم حوالينا ولا علينا» .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية