الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثالث في حزنه وبكائه- صلى الله عليه وسلم- إذا مات أحد من أصحابه

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد ، والشيخان ، وأبو داود ، والنسائي ، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : لما جاء للنبي- صلى الله عليه وسلم- قتل زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وابن رواحة جلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعرف في وجهه الحزن وأنا أنظر من صائر الباب- يعني شق الباب .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، والشيخان ، وأبو داود ، وابن ماجه- وتقدم مبسوطا في السرايا- عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال : بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سرية يقال لهم القراء فأصيبوا يوم بئر معونة- فما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حزن حزنا قط أشد منه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أحمد بن منيع والبزار ، وأبو يعلى ، عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه- قال : أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيدي فأدخلني النخل فإذا إبراهيم يجود بنفسه ، فوضعه في حجره حتى خرجت نفسه ، فوضعه ثم بكى ، فقلت : «تبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء ؟ قال : «إني لم أنه عن البكاء ، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نعمة لهو ، ولعب ومزامير شيطان ، وصوت عند مصيبة : لطم وجوه ، وشق جيوب ، وهذه رحمة ، ومن لا يرحم لا يرحم ، يا إبراهيم لولا أنه وعد صادق وقول حق وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط ربنا عز وجل» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال : «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له ، فأتاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعوده مع عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله ، فقال : «قد قضى» فقالوا : لا ، يا رسول الله ، فبكى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رأى القوم بكاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكوا ، فقال : «ألا تسمعون ، إن الله- عز وجل- لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا ، وأشار إلى لسانه- أو يرحم» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان ، وأبو داود ، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال : «دخلنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أبي سيف القين ، وكان ظئرا لإبراهيم ، فأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ابنه [ ص: 356 ] إبراهيم فقبله وشمه ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تذرفان ، فقال ابن عوف : وأنت يا رسول الله ، فقال يا ابن عوف : «إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى ، فقال : «إن العين تدمع ، وإن القلب يخشع ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا- عز وجل- ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان ، والإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والبيهقي عنه قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب» ، وإن عيني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتذرفان . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أحمد بن منيع بسند على شرط الصحيحين عن قيس بن أبي حازم- رحمه الله تعالى- قال : جاء أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنهما- بعد قتل أبيه ، فقام بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدمعت عينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجاء من الغد فقام في مقامه ذلك ، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم : «ألاقي أنا منك اليوم ما لقيت منك أمس» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن ماجه ، وأبو يعلى الموصلي ، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : لما وجع سعد ، وجد به الموت ، فبكى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر ، وعمر ، حتى إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر ، وأنا أبكي ، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تذرف عيناه ، ويمسح وجهه ، ولا يسمع صوته .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري ، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال : «شهدنا بنتا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد ، وابن أبي شيبة ، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : كان عينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا تدمع على أحد ، ولكن كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني- مرسلا- برجال ثقات ، عن أبي النضر سالم- رحمه الله تعالى- قال : دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون ، وهو يموت ، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بثوب فسجي عليه ، وكان عثمان نازلا على امرأة من الأنصار ، ويقال لها : أم معاذ قالت : فمكث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكبا عليه طويلا ، وأصحابه معه ثم تنحى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبكى ، فلما بكى بكى أهل البيت ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «رحمك الله أبا السائب» . [ ص: 357 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطيالسي ، وأحمد ، وابن أبي شيبة ، واللفظ للأول ، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال : بكت النساء على رقية ، فجعل عمر ينهاهن ، أو يضربهن» . وفي رواية :

                                                                                                                                                                                                                              «فجعل عمر يضربهن بسوطه ، فأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيده وقال : «دعهن» وقال : «ابكين وإياكن ونعيق الشيطان ، فإنه ما كان من العين والقلب فمن الرحمة ، وما كان من اللسان واليد فمن الشيطان» ، ورجعت فاطمة تبكي على شفير قبر رقية ، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمسح الدموع عن وجهها بيده ، أو قال : «بالثوب» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسدد- برجال ثقات- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عاد رجلا من بني معاوية فوجده قد احتضر ، ونساؤه تبكيه ، فذهب الرجال يوزعون النساء ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «دعوهن فإذا وجبت فلا تسمعن صوت نائحتهم» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطيالسي ، والجنيدي ، وعبد ، وابن حبان ، عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال : كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في جنازة فرأى عمر نساء يبكين فتناولهن ، أو صاح بهن ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «يا عمر دعهن ، فإن العين دامعة ، والنفس مصابة ، والعهد قريب» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وقال : حسن صحيح ، وابن ماجه ، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقبل عثمان بن مظعون ، وهو ميت ، وعيناه تذرفان حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه» . [ ص: 358 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية