الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو . أي : الله استأثر بعلمها ، ولما كان السؤال عن الساعة عموما ثم خصص بالسؤال عن وقتها ، جاء الجواب عموما عنها بقوله قل إنما علمها عند ربي ، ثم خصصت من حيث الوقت ، فقيل : لا يجليها لوقتها إلا هو ، وعلم الساعة من الخمس التي نص عليها من الغيب أنه تعالى لا يعلمها إلا الله ، والمعنى لا يظهرها ويكشفها لوقتها الذي قدر أن تكون فيه إلا هو ، قالوا : وحكمة إخفائها أنهم يكونون دائما على حذر ، فإخفاؤها أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية ، كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك ، وقال الزمخشري : لا يجليها لوقتها إلا هو ، أي لا تزال خفية ولا يظهر أمرها ويكشف خفاء علمها إلا هو وحده إذا جاء بها في وقتها بغتة ، لا يجليها بالخبر عنها قبل مجيئها أحد من خلقه لاستمرار الخفاء بها على غيره إلى وقت وقوعها . انتهى ، وهو كلام فيه تكثير وعجمة .

ثقلت في السماوات والأرض قال ابن جريج : معناه ثقلت على السماوات والأرض أنفسها ، لتفطر السماوات وتبدل الأرض ونسف الجبال ، وقال الحسن : ثقلت لهيبتها والفزع منها على أهل السماوات والأرض ، وقال [ ص: 435 ] السدي : معنى ثقلت خفيت في السماوات والأرض ، فلم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى تكون ، وما خفي أمره ثقل على النفوس ، انتهى ، ويعبر بالثقل عن الشدة والصعوبة ، كما قال : ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ، أي شديدا صعبا ، وأصله أن يتعدى بعلى ، تقول : ثقل علي هذا الأمر ، وقال الشاعر :


ثقيـــل علـــى الأعــــداء

فإما أن يدعى أن في بمعنى على ، كما قال بعضهم في قوله : ولأصلبنكم في جذوع النخل ، أي : ويضمن ثقلت معنى يتعدى بفي ، وقال الزمخشري : أي : كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ، وود أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها وثقل عليه أو ثقلت فيهما ؛ لأن أهلهما يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها ؛ ولأن كل شيء لا يطيقها ويقوم لها ، فهي ثقيلة فيهما .

لا تأتيكم إلا بغتة أي فجأة على غفلة منكم وعدم شعور بمجيئها ، وهذا خطاب عام لكل الناس ، وفي الحديث : إن الساعة لتهجم والرجل يصلح حوضه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يسوم سائمته ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه .

يسألونك كأنك حفي عنها قال ابن عباس والسدي ومجاهد : كأنك حفي بسؤالهم ، أي محب له ، وعن ابن عباس أيضا : كأنك يعجبك سؤالهم عنها ، وعنه أيضا : كأنك مجتهد في السؤال مبالغ في الإقبال على ما تسأل عنه ، وقال ابن قتيبة : كأنك طالب علمها ، وقال مجاهد أيضا والضحاك وابن زيد : معناه كأنك حفي بالسؤال عنها والاشتغال بها حتى حصلت عليها ، أي تحبه وتؤثره ، أو بمعنى أنك تكره السؤال لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله به ولم يؤته أحدا . وقال ابن عطية : أي محتف ومحتفل ، وقال الزمخشري : كأنك عالم بها ، وحقيقته كأنك بليغ في السؤال عنها ؛ لأن من بالغ في السؤال عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه ، وهذا التركيب معناه المبالغة ، ومنه إحفاء الشارب ، واحتفاء النعل استئصاله ، وأحفى في المسألة ألحف ، وحفي بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، انتهى ، وعنها إما أن يتعلق بيسألونك ، أي : يسألونك عنها ، وتكون صلة حفي محذوفة ، والتقدير : كأنك حفي بها ، أي : معتن بشأنها حتى علمت حقيقتها ووقت مجيئها ، أو كأنك حفي بهم أومعتن بأمرهم فتجيبهم عنها لزعمهم أن علمها عندك ، وحفي لا يتعدى بعن ، قال تعالى : إنه كان بي حفيا فعداه بالباء ، وإما أن يتعلق بـ حفي على جهة التضمين ; لأن من كان حفيا بشيء أدركه وكشف عنه ، فالتقدير : كأنك كاشف بحفاوتك عنها ، وإما أن تكون عن بمعنى الباء كما تكون الباء بمعنى عن في قوله :


فإن تسألوني بالنساء فإنني

أي عن النساء ، وقرأ عبد الله : كأنك حفي بها ، بالباء مكان عن ، أي : عالم بها بليغ في العلم بها .

قل إنما علمها عند الله أي علم مجيئها في علم الله ، وظرفية عند مجازية ، كما تقول : النحو عند سيبويه أي في علمه ، وتكرير السؤال والجواب على سبيل التوكيد ، ولما جاء به من زيادة قوله : كأنك حفي عنها .

ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال الطبري : لا يعلمون أن هذا الأمر لا يعلمه إلا الله ، بل يظن أكثرهم أنه مما يعلمه البشر ، وقيل : لا يعلمون أن القيامة حق لأن أكثر الخلق ينكرون المعاد ويقولون : إن هي إلا حياتنا الدنيا الآية . وقيل : لا يعلمون أني أخبرتك أن وقتها لا يعلمه إلا الله . وقيل : لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها ، والأظهر قول الطبري .

التالي السابق


الخدمات العلمية