الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) قرأ الجمهور ( وأوحي ) مبنيا للمفعول ، ( والقرآن ) مرفوع به . وقرأ عكرمة وأبو نهيك وابن السميقع والجحدري ( وأوحى ) مبنيا للفاعل ، والقرآن منصوب به ، والمعنى لأنذركم ولأبشركم ، فحذف المعطوف لدلالة المعنى عليه ، أو اقتصر على الإنذار; لأنه في مقام تخويف لهؤلاء المكذبين بالرسالة ، المتخذين غير الله إلها . والظاهر ، وهو قول الجمهور ، أن ( من ) في موضع نصب عطفا على مفعول ( لأنذركم ) ، والعائد على ( من ) ضمير منصوب محذوف ، وفاعل ( بلغ ) ضمير يعود على القرآن; ومن بلغه هو أي ( القرآن ) والخطاب في ( لأنذركم به ) لأهل مكة . وقال مقاتل : ومن بلغه من العرب والعجم . وقيل : من الثقلين . وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة . وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا - صلى الله عليه وسلم - . وفي الحديث : " من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره . وقالت فرقة : الفاعل بـ ( بلغ ) عائد على ( من ) لا على ( القرآن ) والمفعول محذوف ، والتقدير ومن بلغ الحلم ، ويحتمل أن يكون ( من ) في موضع رفع عطفا على الضمير المستكن في ( لأنذركم به ) وجاز ذلك للفصل بينه وبين الضمير بضمير المفعول ، وبالجار والمجرور; أي ولينذر به من بلغه القرآن .

( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ) قرئ ( أئنكم لتشهدون ) بصورة الإيجاب ، فاحتمل أن يكون خبرا محضا ، واحتمل [ ص: 92 ] الاستفهام على تقدير حذف أداته ، ويبين ذلك قراءة الاستفهام ، فقرئ بهمزتين محققتين ، وبإدخال ألف بينهما ، وبتسهيل الثانية ، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى والهمزة المسهلة ، روى هذه القراءة الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو ونافع ، وهذا الاستفهام معناه التقريع لهم والتوبيخ ، والإنكار عليهم ، فإن كان الخطاب لأهل مكة ، فالآلهة الأصنام ، فإنهم أصحاب أوثان ، وإن كان لجميع المشركين ، فالآلهة كل ما عبد غير الله تعالى من وثن أو كوكب أو نار أو آدمي ، وأخرى صفة لآلهة ، وصفة جمع ما لا يعقل كصفة الواحدة المؤنثة ، كقوله : ( مآرب أخرى والأسماء الحسنى ) ، ولما كانت الآلهة حجارة وخشبا ، أجريت هذا المجرى .

( قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) أمره تعالى أن يخبرهم أنه لا يشهد شهادتهم ، وأمره ثانيا أن يفرد الله تعالى بالإلهية ، وأن يتبرأ من إشراكهم وما أبدع هذا الترتيب أمر أولا بأن يخبرهم بأنه لا يوافقهم في الشهادة ، ولا يلزم من ذلك إفراد الله بالألوهية ، فأمر به ثانيا ليجتمع مع انتفاء موافقتهم إثبات الوحدانية لله تعالى ، ثم أخبر ثالثا بالتبرؤ من إشراكهم ، وهو كالتوكيد لما قبله ، ويحتمل أن لا يكون ذلك داخلا تحت القول ، ويحتمل ، وهو الظاهر ، أن يكون داخلا تحته ، فأمر بأن يقول الجملتين ، فظاهر الآية يقتضي أنها في عبدة الأصنام . وذكر الطبري أنها نزلت في قوم من اليهود . وأسند إلى ابن عباس قال : جاء النحام بن زيد وقردم بن كعب ومجزئ بن عمرو فقالوا : يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره ، فقال : لا إله إلا الله ، بذلك أمرت ، فنزلت الآية فيهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية