الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وإن قال إن قمت فأنت طالق أو أنت طالق إن قمت إن شاء الله ثم وجد فإن نوى رد المشيئة إلى الفعل لم يقع وإلا فروايتان ( م 21 و 22 ) وكذا إن كان [ ص: 453 ] الشرط نفيا واختار في الترغيب لا يحنث .

                                                                                                          [ ص: 452 ]

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          [ ص: 452 ] مسألة 21 و 22 ) قوله : وإن قال إن قمت فأنت طالق أو أنت طالق إن قمت إن شاء الله تعالى ثم قامت ، فإن نوى رد المشيئة إلى الفعل لم يقع ، وإلا فروايتان ، كذا إن كان الشرط نفيا ، يعني مثل قوله أنت طالق إن لم تدخلي الدار إن شاء الله أو إن لم تقومي اليوم إن شاء الله ، واختار في الترغيب لا يحنث ، انتهى .

                                                                                                          ذكر المصنف مسألتين : [ ص: 453 ]

                                                                                                          ( المسألة الأولى 21 ) تعليق المشيئة بالشرط المثبت .

                                                                                                          ( المسألة الثانية 22 ) تعليقها بالشرط المنفي . وأطلق الخلاف في الشرط المثبت في الهداية والمستوعب والمغني والكافي والمقنع والمحرر والشرح والحاوي وغيرهم .

                                                                                                          ( إحداهما ) لا تطلق ، صححه في التصحيح ، فقال : لا تطلق من حيث الدليل ، قال : وهو قول محققي الأصحاب ، وجزم به الآدمي في منتخبه ومنوره .

                                                                                                          والرواية الثانية : تطلق ، وقطع به في الوجيز ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته ، وصححه في المذهب والخلاصة ، وقدمه في الرعايتين ، وصححه ابن نصر الله في حواشيه فيها ، وكذا إن كان الشرط نفيا ، وقال صاحب الترغيب : إن كان الشرط نفيا لم تطلق ، وإن كان إثباتا طلقت ، ذكره المصنف عنه أيضا .

                                                                                                          ( تنبيه )

                                                                                                          حرر ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا المسألة وفي صيغة القسم كقوله أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله ، أو أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله ، ونحوه للأصحاب سبع طرق ذكرها عنه في القواعد الأصولية .

                                                                                                          ( أحدها ) الروايتان وردتا مطلقا ، أعني سواء كان الحلف بصيغة القسم أو بصيغة الجزاء ، وهذه الطريقة مقتضى كلام أكثر المتقدمين كأبي بكر والقاضي وابن عقيل وغيرهم ، ومأخذ الخلاف عند المحققين من الأصحاب وغيرهم أن الطلاق المعلق بشرط ونحوه قد تضمن شيئين : طلاقا ملتزما عند وجود شرطه ، وفعلا ملتزما بقصد الحض عليه أو المنع منه ، فإن غلبنا جهة الطلاق قلنا : هو خطاب ملتزم بشرطه ، فإذا وجد شرطه صار كالطلاق المنجز في حينه فلا يقع فيه الاستثناء ، وإن [ ص: 454 ] غلبنا عليه جهة اليمين قلنا : هو يمين من الأيمان ، فإن المقصود منه الحصن على فعل أو المنع منه دون الطلاق ، وإذا كان عينا صح الاستثناء وقد ذكر مضمون هذا المأخذ القاضي وأبو الخطاب في خلافهما ، وصاحب المغني وغيرهم ، وأما أبو بكر ففرق بين الاستثناء في الطلاق والاستثناء في تعليقه وذكره .

                                                                                                          ( الطريق الثاني ) الروايتان وردتا في الحلف بالطلاق بصيغة القسم ، وفي التعليق على شرط يقصد به الحض أو المنع دون التعليق على شرط يقصد به وقوع الطلاق بتة ، وهذه الطريقة اختيار الشيخ تقي الدين ، وهي مقتضى كلام كثير من الأصحاب ، وذكر ما عللوه به ، فعلى هذا لو كان الطلاق معلقا بشرط يقصد به الوقوع لم يقع فيه الاستثناء ، قولا واحدا ، كقوله أنت طالق غدا إن شاء الله ، فإذا جاء وقته فقد شاء الله وقوعه فيه .

                                                                                                          ( الطريق الثالث ) الروايتان وردتا في صيغة التعليق إذا قصد رد المشيئة إلى الطلاق أو أطلق ، وأما إن رد المشيئة إلى الفعل فإنه ينفعه ، قولا واحدا ، وهذه وكذلك إن حلف بصيغة القسم ، فإنه ينفعه الاستثناء ، قولا واحدا ، وهذه طريقة صاحب المحرر ، وكذا هي طريقة صاحب الرعاية والنظم والمصنف وغيرهم ، والمصنف تابع فيها صاحب المحرر ، وردها ابن نصر الله في حواشيه ، وذكر ابن رجب توجيه هذه الطريقة ومأخذها .

                                                                                                          ( الطريق الرابع ) طريقة صاحب المغني ومن تابعه ، وهي أن الروايتين في صورة التعليق بالشرط إذا لم يرد المشيئة إلى الطلاق ، فإن ردها إلى الطلاق فهو كما لو نجز الطلاق ، واستثنى فيه ، وإن أطلق النية فالظاهر رجوعه إلى الفعل دون الطلاق ، ويحتمل عوده إلى الطلاق ، وإن رد المشيئة إلى الفعل نفعه ، قولا واحدا ، كما ينفعه في صيغة القسم ، وهذه توافق طريقة صاحب المحرر ، إلا أنها مخالفة لها [ ص: 455 ] في أنه إذا عاد الاستثناء إلى الطلاق لم ينفع ، كما لم ينفع في المنجز ، وهو الذي ذكره ابن عقيل وغيره أيضا ، وهو واضح .

                                                                                                          ( الطريق الخامس ) طريقة صاحب التلخيص ، وهو حمل الروايتين على اختلاف حالين فإن كان الشرط نفيا لم تطلق ، نحو أن يقول أنت طالق إن لم أفعل كذا إن شاء الله تعالى ، فلم يفعله ، فلا يحنث ، وإن كان إثباتا حنث ، نحو إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله تعالى ، وهذه الطريقة تخالف المذهب المنصوص ، لأن نص أحمد إنما هو في صورة الشرط الثبوتي ، وقد اختلف قوله فيه على روايتين ، فكيف يصح تنزيل الروايتين على اختلاف حالين ؟ وذكر شبهته .

                                                                                                          ( الطريق السادس ) طريقة القاضي أبي يعلى في الجامع الكبير ، وهو أنه قال : عندي في هذه المسألة تفصيل ما مضمونه أنه إذا لم توجد الصفة التي هي الشرط المعلق عليه الطلاق انبنى الحكم على علة وقوع الطلاق المنجز المستثنى منه ، فإن قلنا : العلة أنه علقه بمشيئة لا يتوصل إليها لم يقع الطلاق ، رواية واحدة ، لأنه علقه بصفتين : إحداهما دخول الدار مثلا ، والأخرى بالمشيئة ، وما وجدتا ، فلا يحنث ، وإن قلنا العلة علمنا بوجود مشيئة الله لفظ الطلاق ، انبنى على أصل آخر ، وهو ما إذا علق الطلاق بصفتين فوجدت إحداهما ، مثل أن يقول : إن دخلت الدار وشاء زيد ، فدخلت ولم يشأ زيد ، فهل يقع الطلاق ؟ على روايتين ، كذا هنا يخرج على روايتين ، وأما إن وجدت الصفة وهي دخول الدار فإنه ينبني على التعليلين أيضا ، فإن قلنا قد علمنا مشيئة الطلاق وقع ، رواية واحدة ، لوجود الصفتين جميعا ، وإن قلنا لم نعلم مشيئته انبنى على ما إذا علقه على صفتين فوجدت إحداهما ، ويخرج على روايتين ، انتهى [ ص: 456 ]

                                                                                                          ( الطريق السابع ) طريقة ابن عقيل في المفردات ، فإنه جعل الروايتين في وقوع الطلاق بدون وجود الصفة ، فأما مع وجودها فيقع الطلاق ، قولا واحدا ، وجعل مأخذ الروايتين في وقوعه قبل الصفة أن المشيئة إن عادت إلى الطلاق فقد شاء الله الطلاق كما شاء وقوع المنجز ، وإن عادت إلى الفعل لم يقع الطلاق حتى توجد ، وهذه أضعف الطرق ، وفسادها من وجهين ، وذكرهما ، انتهى .




                                                                                                          الخدمات العلمية