الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن قال : أنت طالق إن شاء الله : طلقت ، وإن قال لأمته : أنت حرة إن شاء الله : عتقت ) وكذا لو قدم الشرط ، وهذا المذهب نص عليه في رواية الجماعة ، منهم : ابن منصور ، وحنبل ، والحسن بن ثواب ، وأبو النضر ، والأثرم ، وأبو طالب ، وعليه جماهير الأصحاب ، وجزم به في الوجيز ، والمنور ، ومنتخب الأدمي ، وغيرهم ، وصححه الناظم وغيره ، وقدمه في الهداية ، والمذهب ، والخلاصة ، والمغني ، والشرح ، والمحرر ، والفروع ، وغيرهم ، وعنه : يصح الاستثناء فيهما ، وقال الخرقي : أكثر الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله : أنه توقف عن الجواب ، قلت : ممن نقل ذلك : عبد الله ، وصالح ، وإسحاق بن هانئ ، وأبو الحارث ، والفضل بن زياد ، وإسماعيل بن إسحاق ، وحكي عنه : أنه يقع العتق دون الطلاق ، [ ص: 105 ] حكاه عنه بعض الشافعية ، وهو أبو حامد الإسفراييني ، ومن تبعه ، وقطع المجد ، وغيره : بأن ذلك غلط على الإمام أحمد رحمه الله .

وكذا قال القاضي في خلافه ، وبينوا وجه الغلط ، وقال في الترغيب : يقع الطلاق دون العتق ، وعنه : لا يقعان ، اختاره جماعة من الأصحاب ، بناء على أنهما من جملة الأيمان ، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله يكون معناه : هي طالق إن شاء الله الطلاق بعد هذا ، والله لا يشاؤه إلا بتكلمه بعد ذلك ، وقال أيضا : إن أراد بذلك وقوع الطلاق عليها بهذا التطليق طلقت ; لأنه كقوله " أنت طالق بمشيئة الله " وليس قوله " إن شاء الله " تعليقا ، بل تأكيد للوقوع وتحقيق ، وإن أراد بذلك حقيقة التعليق على مشيئة مستقبلة : لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد ذلك ، فإذا طلقها بعد ذلك فقد شاء الله وقوع طلاقها حينئذ ، وكذا إن قصد بقوله " إن شاء الله " أن يقع هذا الطلاق الآن ، فإنه يكون معلقا أيضا على المشيئة ، فإذا شاء الله وقوعه ، فيقع حينئذ ، ولا يشاء الله وقوعه حتى يوقعه ثانيا . انتهى . قال في الترغيب ، لو قال " يا طالق إن شاء الله تعالى " تطلق ، بل هي أولى بالوقوع من قوله " إن شاء الله " وفي الرعاية في ذلك وجهان . قوله ( وإن قال : أنت طالق إلا أن يشاء الله : طلقت ) ، وهو المذهب ، نص عليه ، وجزم به في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والوجيز ، وغيرهم ، وقدمه في المحرر ، والفروع ، وقيل : لا تطلق . قوله ( وإن قال : إن لم يشأ الله فعلى وجهين ) ، وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير . [ ص: 106 ] أحدهما : يقع ، وهو المذهب ، لتضاد الشرط والجزاء ، فلغا تعليقه ، بخلاف المستحيل ، وجزم به في الوجيز ، ومنتخب الأدمي البغدادي ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته ، وقدمه في الفروع . والوجه الثاني : لا يقع ، اختاره القاضي ، ذكره في المستوعب .

فائدة : وكذا الحكم خلافا ومذهبا لو قال " أنت طالق ما لم يشأ الله " . قوله ( وإن قال : إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله ، أو قال : أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله ، فدخلت ، فهل تطلق ؟ على روايتين ) ، وأطلقهما في الهداية ، والمستوعب ، والكافي ، والمغني ، والمحرر ، والشرح ، والفروع ، والحاوي . أحدهما : لا تطلق صححه في التصحيح ، وقال : لا تطلق من حيث الدليل قال : وهو قول محققي الأصحاب ، وجزم به في منتخب الأدمي البغدادي . والرواية الثانية : تطلق ، وجزم به في الوجيز ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته ، وصححه في المذهب ، والخلاصة ، قال ابن نصر الله في حواشيه : أصحهما تطلق ، وقدمه في الرعايتين .

تنبيه : قال في المحرر ، والرعاية ، والنظم ، والفروع ، وغيرهم : إن نوى رد المشيئة إلى الفعل لم يقع ، كقوله " أنت طالق لا فعلت ، أو لأفعلن إن شاء الله " وإلا فروايتان ، قال ابن نصر الله في حواشيه : وفيه نظر ، يعني في عدم الوقوع إذا نوى رد المشيئة إلى الفعل ; لأنه علقه على فعل يوجد بمشيئة الله ، وقد وجد بمشيئة الله ، فما المانع من وقوعه ؟ . انتهى .

[ ص: 107 ] وقد حرر العلامة ابن رجب في هذه المسألة ، وفي صيغة القسم كقوله " أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله " أو " أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله " ونحوه للأصحاب سبع طرق . أحدها : أن الروايتين في المسألة مطلقا ، سواء كان الحلف بصيغة القسم ، أو بصيغة الجزاء ، وهذه الطريقة مقتضى كلام أكثر المتقدمين ، كأبي بكر ، والقاضي ، وابن عقيل ، وغيرهم . الطريقة الثانية : أن الروايتين في الحلف بصيغة القسم ، وفي التعليق على شرط يقصد به الحض أو المنع ، دون التعليق على شرط يقصد به وقوع الطلاق بتة ، وهذه الطريقة اختيار الشيخ تقي الدين رحمه الله وهو مقتضى كلام كثير من الأصحاب .

الطريقة الثالثة : أن الروايتين في صيغة التعليق إذا قصد رد المشيئة إلى الطلاق ، أو أطلق ، فأما إن رد المشيئة إلى الفعل فإنه ينفعه قولا واحدا ، وكذا إن حلف بصيغة القسم ، فإنه ينفعه الاستثناء قولا واحدا ، وهي طريقة صاحب المحرر ، والنظم ، والفروع ، وغيرهم ، كما تقدم ، الطريقة الرابعة : أن الروايتين في صورة التعليق بالشرط إذا لم يرد المشيئة إلى الطلاق ، فإن ردها إلى الطلاق فهو كما لو نجز الطلاق واستثنى فيه ، وهي طريقة صاحب المغني ، وإن أطلق النية : فالظاهر رجوعه إلى الفعل دون الطلاق ويحتمل عوده إلى الطلاق ، وإن رد المشيئة إلى الفعل نفعه ، قولا واحدا ، وهذه الطريقة توافق طريقة صاحب المحرر ، إلا أنها مخالفة لها في أنه إذا عاد [ ص: 108 ] الاستثناء إلى الطلاق لم ينفع ، كما لا ينفع في المنجز ، وهو الذي ذكره ابن عقيل وغيره ، وهو واضح .

الطريقة الخامسة : أن الروايتين محمولتان على اختلاف حالين ، فإن كان الشرط نفيا : لم تطلق ، نحو أن يقول " أنت طالق إن لم أفعل كذا إن شاء الله " فلم يفعله ، فلا يحنث ، فإن كان إثباتا حنث ، نحو " إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله " ، وهي طريقة صاحب التلخيص ، قال في القواعد الأصولية : وهي مخالفة للمذهب المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله . الطريقة السادسة : طريقة القاضي في الجامع الكبير ، فإنه قال : عندي فيها تفصيل ، ثم ذكر ما مضمونه : أنه إذا لم توجد الصفة . التي هي الشرط المعلق على الطلاق ، انبنى الحكم على علة وقوع الطلاق المنجز المستثنى فيه ، فإن قلنا : العلة أنه علقه بمشيئة لا يتوصل إليها : لم يقع ، رواية واحدة ; لأنه علقه بصفتين . إحداهما : دخول الدار مثلا ، والأخرى : المشيئة ، وما وجدتا ، فلا يحنث ، وإن قلنا : العلة علمنا بوجود مشيئة الله لوجود لفظ الطلاق : انبنى على أصل آخر ، وهو ما إذا علق الطلاق بصفتين ، مثل أن يقول " إن دخلت الدار وشاء زيد " فدخلت ولم يشأ زيد ، فهل يقع الطلاق ؟ على روايتين ، كذا هنا يخرج على روايتين ، وأما إن وجدت الصفة وهي دخول الدار فإنه ينبني على التعليلين أيضا ، فإن قلنا : قد علمنا مشيئة الطلاق : وقع رواية واحدة ، لوجود الصفتين جميعا ، [ ص: 109 ] وإن قلنا : لم نعلم مشيئته : انبنى على ما إذا علقه على صفتين فوجد إحداهما ، ويخرج على الروايتين .

الطريقة السابعة : طريقة ابن عقيل في المفردات ، فإنه جعل الروايتين في وقوع الطلاق بدون وجود الصفة ، فأما مع وجودها : فيقع الطلاق قولا واحدا ، قاله في القواعد الأصولية ، وهي أضعف الطرق وذكر فسادها من وجهين .

التالي السابق


الخدمات العلمية