الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 18 ] قوله ( وإن قال : دمك طالق ، طلقت ) هذا الصحيح من المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب ، وجزم به في الهداية ، والخلاصة ، وشرح ابن منجا ، وشرح المحرر ، والشارح ، وهو ظاهر ما جزم به في الوجيز ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته ، قال الناظم هذا أولى ، وقدمه في المحرر ، والفروع ، وقيل : لا تطلق ، وجزم به في الترغيب ، قال في المستوعب : قال ابن البنا : لا تطلق ، واقتصر عليه ، وأطلقهما في الرعايتين ، والحاوي الصغير .

فائدة : لو قال " لبنك أو منيك طالق " فقيل : هما كالدم ، اختاره في الرعاية قال في الفروع : ومني كدم ، وقيل : بعدم الوقوع ، قدمه في الرعاية ، وجزم به في المستوعب في اللبن ، [ نسب تقديمه إلى صاحب الفروع فيه ، واختاره في الرعاية وغيرها ، وقيل : بعدم الوقوع فيهما ، وقدمه في الرعاية ، والفروع ، وغيرهما ، وجزم به في المستوعب ، والمغني في موضعين في اللبن ، وينبغي أن يقال عن هذا القول : إنه قدمه في الفروع أيضا ، فإنه مدلوله ، كما لا يخفى على من تأمله ، فإنه قال فيه ، وقيل : تطلق بسن وظفر وشعر ، وقيل : وسواد ، وبياض ، ولبن ، ومني كدم ، وفيه وجه وجزم به في الترغيب . انتهى . ففهم بعضهم منه أن قوله " ولبن ومني " مرفوعان استئنافا ، وليس كذلك فإنه لم يسبق له في الفروع ذكر حكم الدم ، بل الظاهر جرهما عطفا على ما قبلهما ، وحينئذ يستقيم الكلام ، ويؤيده الجزم في المغني فيها بعدم الوقوع في اللبن في موضعين منه ، كما نقلته [ ص: 19 ] عنه هنا ، وعنه جزم المستوعب . حيث قاس الشعر والظفر والسن والدمع والعرق في عدم الوقوع بها عليها ، وإذا كان كذلك في اللبن ففي المني ، كذلك أيضا ، لاشتراكهما عند صاحب الفروع في الحكم ويأتي أيضا ، وإن اختلف الحكم ، نظرا للتقديرين السابقين في حل قول الفروع ، فليتأمل ] .

قوله ( وإن قال : شعرك أو ظفرك أو سنك طالق ، لم تطلق ) وهذا المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب ، وقيل : تطلق ، وهو احتمال في المحرر ، ووجه في المذهب ، وأطلقهما فيه .

فائدة : لو قال " سوادك أو بياضك طالق " لم تطلق ، على الصحيح من المذهب ، جزم به في الكافي ، والرعاية الكبرى ، وقدمه في الفروع [ وغيره ] ، وقيل : تطلق ، قوله ( وإن أضافه إلى الريق والدمع والعرق والحمل : لم تطلق ) هذا المذهب ، وعليه الأصحاب ، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله ، وقال في الانتصار : هل يقع ويسقط القول بإضافته إلى صفة كسمع وبصر ؟ [ ونحوهما ] إن قلنا تسمية [ الكل ] الجزء عبارة عن الجميع [ كناية أو مجازا ] وهو ظاهر كلامه [ يعني الإمام أحمد ] صح ، وإن قلنا بالسراية فلا . قوله ( وإن قال : روحك طالق طلقت ) وهو المذهب ، قال في المذهب ، ومسبوك الذهب : وإن قال " روحك طالق " وقع الطلاق في أصح الوجهين ، اختاره ابن عبدوس في تذكرته ، وقدمه في الهداية ، والخلاصة ، والمحرر ، والشرح ، والنظم ، وتجريد العناية .

[ ص: 20 ] ( وقال أبو بكر : لا تطلق ) فقال : لا يختلف قول الإمام أحمد رحمه الله : أنه لا يقع طلاق و [ لا ] ظهار ، و [ لا ] عتق ، و [ لا ] حرام بذكر الشعر والظفر والسن والروح ، وبذلك أقول . انتهى . وجزم به في الوجيز ، وهذا ظاهر ما قدمه في الفروع ، فإنه قال : وإن طلق جزءا مبهما أو مشاعا أو معينا أو عضوا ، طلقت ، نص عليه ، وعنه : وكذا الروح : اختاره أبو بكر ، وابن الجوزي ، وجزم به في التبصرة . انتهى . وما ذكره عن أبي بكر فيه نظر ، ويرده ما نقله [ آنفا وما نقله ] هو عنه [ في محل آخر أيضا ] ، ثم وجدت ابن نصر الله في حواشي الفروع نقل عن القاضي علاء الدين بن مغلي : أنه جزم بأن هذا يغلب على صاحب الفروع [ في الكلام ] يعني قوله : " وكذا الروح " وأنه معطوف على قوله " جزءا معينا " وأن مراده : أنها تطلق بالروح على هذه الرواية ، لكنه وهم في عزوها إلى أبي بكر . انتهى . وهو كما قال : قال شيخنا في حواشي الفروع : الظاهر أن ذكر أبي بكر سهو ، وقال في الرعاية الكبرى : والنص عدم الوقوع ، قال في المستوعب : توقف الإمام أحمد رحمه الله فيها ، وأطلقهما في المستوعب ، والكافي ، والبلغة ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، [ وهذا بناء على أن الإشارة في قوله في الفروع " وكذا الروح إلى آخره " إلى الوقوع في المسألة التي قبلها ، وهو الظاهر من العبارة ، وقد أوله به ابن نصر الله في حاشيته عليه ، فجعل مرجع الإشارة فيه هو قوله " بخلاف زوجتك بعض وليتي " أي فلا تطلق في هذه المسألة الأخرى : المشبهة بها فيه لها ، فالتشبيه في أصل انتفاء الحكم ، وإن اختلف منطق الانتفاءين حينئذ ، فيكون المقدم في الفروع هو الوقوع في الروح ، كذا مسألة الحياة الآتية بعدها [ ص: 21 ] إن قيل : إن قوله فيه " وكذا الحياة " عطف على قوله " وكذا الروح " وقيل : إنه عطف على جملة قوله " وكذا الروح " فيكون قد حكي فيه الخلاف فيها ، والراجح فيه عدم الوقوع عنده ، كما جعله ابن نصر الله في حواشيه عليه مقتضى كلامه فيها ، خلافا لما سيأتي قريبا من الجزم بالوقوع ] .

فوائد . إحداها : لو قال " حياتك طالق " طلقت [ كبقائك أو نفسك بسكون الفاء لا بفتحها فإنه كريحك وهوائك ورائحتك ، وظاهر الفروع : أنها لا تطلق ، وجعله ابن نصر الله في حاشيته عليه مقتضى كلامه فيه ، وكمسألة الروح والدم ، وإن كان المذهب فيهما كالوقوع كما ذكر ، والذي ينبغي أن يقال : إن فيها الخلاف كالروح والدم ونحوهما ، فينبغي أن يكون المذهب فيها كلها عدم الوقوع كإضافة الطلاق إلى السواد والبياض ونحوهما كالرائحة لكونها أعراضا والحياة عرض باتفاق المتكلمين ، كالبقاء والروح والروح والرائحة والريح والهواء ، بخلاف الروح ، وهذا ما ظهر لي من تحرير هذا المحل ، وكما هو في كتب غيرنا ، كالشافعية وغيرهم ، لكن الحياة عرض كالهواء لا يستغني الحيوان عنها كالروح والدم ، والبقاء والنفس بالسكون لا بالفتح بخلاف السواد والبياض ونحوهما ، فإن الحيوان يعيش بدونها لا بدون جميع الأعراض كلها ، وليس الكلام فيها جميعا ] . الثانية : قال في الفروع : هنا لو قال " أنت طالق شهرا ، أو بهذا البلد " صح ويكمل بخلاف بقية العقود . انتهى . فالظاهر أنه وضع هذه المسألة هنا لكونها شبيهة بتطليق عضو منها ، فكما أنها تطلق كلها بتطليق عضو منها [ أو ببعضها ] فكذلك تطلق أيضا في هذه المسألة [ ص: 22 ] في جميع الشهور والبلدان ، في قوله " بخلاف بقية العقود " نظر ظاهر كالفسوخ ، الثالثة : حكم العتق في ذلك كله حكم الطلاق

التالي السابق


الخدمات العلمية