الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله فيما يلحق من النسب ( من أتت امرأته بولد يمكن كونه منه ، وهو أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ أمكن اجتماعه بها ) هذا المذهب مطلقا . وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به كثير منهم . ونقل حرب فيمن طلق قبل الدخول وأتت بولد فأنكره : ينتفي بلا لعان . فأخذ الشيخ تقي الدين رحمه الله من هذه الرواية : أن الزوجة لا تصير فراشا إلا بالدخول . واختاره هو وغيره من المتأخرين ، منهم والد الشيخ تقي الدين . قاله ابن نصر الله في حواشيه . وقال في الانتصار : لا يلحق بمطلق إن اتفقا أنه لم يمسها . ونقل مهنا : لا يلحق الولد حتى يوجد الدخول . وقال في الإرشاد في مسلم صائم في رمضان خلا بزوجة نصرانية ، ثم طلق ، ولم يطأ وأتت بولد لممكن لحقه في أظهر الروايتين . [ ص: 259 ] قوله ( ولأقل من أربع سنين منذ أبانها ، وهو ممن يولد لمثله : لحقه نسبه ) . وهذا بناء منه على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين . ويأتي قريبا من يصلح أن يولد له .

تنبيه :

قوله ( وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تأتي به لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها ) . وكذا قال غيره من الأصحاب . قال في الفروع : ومرادهم وعاش ، وإلا لحقه بالإمكان كما بعدها . انتهى .

قوله ( أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها ) . لم يلحقه نسبه بلا نزاع . ويأتي في العدة " هل تنقضي به العدة ؟ " قبل قوله " وأقل مدة الحمل " .

قوله ( أو أقرت بانقضاء عدتها بالقرء ، ثم أتت به لأكثر من ستة أشهر بعدها ) لم يلحقه نسبه . هذا المذهب . وعليه الأصحاب . وقطع به كثير منهم . وذكر بعضهم قولا : إن أقرت بفراغ العدة ، أو الاستبراء من عتق ، ثم ولدت بعد فوق نصف سنة : لحقه نسبه . وقال ناظم المفردات : إمكان وطء في لحوق النسب فعندنا معتبر في المذهب     كامرأة تكون في شيراز
وزوجها مقيم في الحجاز     فإن تلد لستة من أشهر
من يوم عقد واضحا في النظر     فمدة الحمل مع المسير
لا بد أن تمضي في التقدير      [ ص: 260 ] إن مضتا به غدا ملتحقا
ومالك والشافعي وافقا     وعندنا في صورتين حققوا
والمدتان إن مضت لا يلحق     من كان كالقاضي وكالسلطان
وسيره لا يخف عن عيان     أو غاصب صد عن اجتماع
ونحوه فامنع ولا تراعي تنبيهان

أحدهما : مفهوم قوله " أو تزوجها وبينهما مسافة لا يصل إليها في المدة التي أتت بالولد فيها : لم يلحقه نسبه " أنه لو أمكن وصوله إليها في المدة التي أتت بالولد فيها : لحقه نسبه . وهذا المذهب مطلقا . وعليه جماهير الأصحاب . وقال في التعليق ، والوسيلة ، والانتصار : ولو أمكن ، ولا يخف المسير كأمير وتاجر كبير . ومثل في عيون المسائل بالسلطان والحاكم . نقل ابن منصور : إن علم أنه لا يصل مثله لم يقض بالفراش . وهي مثله . ونقل حرب وغيره في وال وقاض لا يمكن أن يدع عمله : فلا يلزمه . فإن أمكنه لحقه .

الثاني : مفهوم قوله " أو يكون صبيا دون عشر سنين لم يلحقه نسبه " أن ابن عشر سنين يولد لمثله ويلحقه نسبه . وهو صحيح . وهو المذهب . وعليه أكثر الأصحاب . وعبارته في العمدة ومنتخب الأدمي كذلك . قال في القواعد الأصولية : هذا المذهب . وقال في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والوجيز ، وتذكرة ابن عبدوس : لا يلحق النسب من صبي له تسع سنين فما دون . وقدمه في الفروع وابن تميم ، ذكره في باب ما يوجب الغسل . وقدمه في الكافي ، والرعايتين ، والشرح ، وغيرهم . [ ص: 261 ] وقيل : يولد لابن تسع . جزم به في عيون المسائل . ذكره عنه في الفروع في أثناء كتاب الإقرار في " أحكام إقرار الصبي " وقاله القاضي : نقله عنه في القواعد الأصولية ، والكافي . قال في المحرر ، والنظم ، والحاوي الصغير : أو كان الزوج صبيا له دون تسع سنين . وقيل : عشر سنين . وقيل : اثنتي عشرة سنة . انتهى . وقيل : لا يولد إلا لابن ثنتي عشرة سنة . واختار أبو بكر ، وأبو الخطاب ، وابن عقيل : لا يلحقه نسبه حتى يعلم بلوغه . وهو ظاهر ما جزم به في المنور . فعلى الأول : لا يحكم ببلوغه إن شك فيه به . ولا يستقر به مهر ، ولا تثبت به عدة ولا رجعة . قال في الفروع : ويتوجه فيه قول كثبوت الأحكام بصوم يوم الغيم .

قوله ( أو مقطوع الذكر ، أو الأنثيين : لم يلحقه نسبه ) . هذا المذهب . وعليه الأصحاب . ونقله ابن هانئ فيمن قطع ذكره وأنثياه . قال : إن دفق . فقد يكون الولد من الماء القليل . وإن شك في ولده أري القافة . وسأله المروذي عن خصي ؟ قال : إن كان مجبوبا ليس له شيء ، فإن أنزل فإنه يكون منه الولد وإلا فالقافة .

قوله ( وإن قطع أحدهما . فقال أصحابنا : يلحقه نسبه ، وفيه بعد ) . شمل كلامه مسألتين . [ ص: 262 ]

إحداهما : أن يكون خصيا بأن تقطع أنثياه ويبقى ذكره . فقال أكثر الأصحاب : يلحقه نسبه . قاله في الفروع . وقال المصنف هنا : قاله أصحابنا . وهو ظاهر كلامه في الوجيز . وجزم به ابن عبدوس في تذكرته . وقيل : لا يلحقه نسبه . وقطع به في الشرح . وهو عجيب منه ، إلا أن تكون النسخة مغلوطة . وقدمه في الفروع . وجزم به في المحرر ، والحاوي ، والنظم . وأطلقهما في الرعايتين .

والمسألة الثانية : أن يكون مجبوبا ، بأن يقطع ذكره ، وتبقى أنثياه . فقال جماهير الأصحاب : يلحقه نسبه . وهو المذهب . وهو ظاهر كلامه في الوجيز . وقدمه في الفروع . وقال في الرعاية الكبرى بعد أن أطلق الخلاف والأصح : أنه يلحق المجبوب دون الخصي . انتهى . وقيل : لا يلحقه نسبه . اختاره المصنف . وجزم به في المحرر ، والحاوي ، والنظم . وأطلقهما في الرعايتين . وقال الناظم :     وزوجة من لم ينزل الماء عادة
لجب الفتى أو لاختصاء ليبعد     وإن جب إحدى الأنثيين من الفتى
فألحق لدى أصحابنا في مبعد . انتهى .

ولم أر حكم جب إحدى الأنثيين لغيره . ولعله أخذه من قول المصنف " وإن قطع إحداهما " .

فائدة :

قال في الموجز والتبصرة : لو كان عنينا لم يلحقه نسبه . انتهيا . والصحيح من المذهب : أنه يلحقه . وهو ظاهر أكثر الأصحاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية