الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
4311 - "ذاكر الله في الغافلين مثل الذي يقاتل عن الفارين ؛ وذاكر الله في الغافلين كالمصباح في البيت المظلم؛ وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء؛ في وسط الشجر؛ الذي قد تحات من الصريد؛ وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة؛ وذاكر الله في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيح وأعجم"؛ (حل)؛ عن ابن عمر ؛ (ض) .

التالي السابق


( ذاكر الله في الغافلين مثل الذي يقاتل عن الفارين) ؛ لأن أهل الغفلة قد تعلقت قلوبهم بالأسباب؛ فاتخذوها دولا؛ فصارت عليهم فتنة؛ فإذا ذكر الله بينهم؛ كان فيه رد عليهم غيبتهم؛ وجفرهم؛ وسوء صنيعهم؛ وإعراضهم عن الذكر؛ فكان ذاكر الله فيهم كحامي الفئة المنهزمة؛ فهو يطفئ ثائرة غضب الله على من أعرض عن ذكره: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ؛ ومن ثم شرع لداخل السوق الذي هو محل الغفلة الذكر المشهور؛ ورتب عليه ذلك الجزاء العظيم الذي لم يقع مثله في حديث صحيح إلا قليلا؛ (وذاكر الله في الغافلين) ؛ كرره ليناط به في كل مرة ما لم ينط به أولا؛ ذكره الطيبي ؛ (كالمصباح في البيت المظلم) ؛ شبه الذاكر بالسراج الذي يستضئ به أهل البيت؛ ويهتدون به إلى المصالح؛ ويحترزون بضوئه من الهوام؛ (وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر؛ الذي قد تحات من الصريد الضريب) ؛ أي: تتساقط من شدة البرد؛ و"الضريب": الصقيع؛ ويروى: "من الجليد"؛ شبه الذاكر بالغصن الأخضر؛ الذي يعد للإثمار؛ والغافل باليابس الذي يهيأ للإحراق؛ ذكره القاضي ؛ قال الحكيم : فكذلك أهل الغفلة؛ أصابهم حريق الشهوات؛ فذهبت ثمار القلوب؛ وهي طاعة الأركان؛ فالذاكر قلبه رطب بذكره؛ فلم يضره قحط ولا برد؛ وأما أهل الغفلة كأهل الأسواق؛ فالحرص فيهم كامن؛ وكلما ازداد الواحد منهم طلبا؛ ازداد حرصا؛ فأقبل العدو؛ فنصب كرسيه في وسط أسواقهم؛ وركز رايته وبث جنوده؛ فحملهم على الغفلة؛ فأضاعوا الصلاة؛ ومنعوا الحقوق؛ فأهل الغفلة على خطر عظيم من نزول العذاب؛ والذاكر بينهم يرد غضب الله؛ فيدفع بالذاكر عن الغافل؛ وبالمصلي عمن لا يصلي؛ ( وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة ) ؛ أي: في الدنيا؛ بأن يكشف له عنه؛ فيراه؛ أو يرى له؛ أو في القبر؛ (وذاكر الله في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيح وأعجمي) ؛ فالفصيح بنو آدم ؛ والأعجمي البهائم؛ هكذا ذكره متصلا مخرجه أبو نعيم ؛ فما أدري أهو من تتمة الحديث؛ أو من تفسير الراوي؟ شبه الذاكر بشجرة خضراء؛ لها منظر بين الأشجار؛ سقياها من فيض العطوف الغفار؛ فهي رطبة بذكره؛ لينة بفضله؛ وأهل الغفلة بأشجار جفت؛ فسقط ورقها؛ ويبست أغصانها؛ لأن حريق الشهوة أصابهم؛ [ ص: 559 ] فذهبت ثمار القلوب؛ وهي طاعة الأركان؛ وذهبت طلاوة الوجوه؛ وسمتها؛ وسكون النفوس وهديها؛ فلم يبق ثمر ولا ورق؛ وما بقي من ثمر فمر؛ أو حلو؛ لا طعم له؛ كدر اللون؛ عاقبته التخمة؛ فهي أشجار بهذه الصفة.

(حل) ؛ وكذا البيهقي ؛ في الشعب؛ (عن ابن عمر ) ؛ ابن الخطاب ؛ قال الحافظ العراقي : سنده ضعيف؛ أي: وذلك لأن فيه عمران بن مسلم القصير ؛ قال في الميزان: قال البخاري : منكر الحديث؛ ثم أورد له هذا الخبر.




الخدمات العلمية