الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
2783 - "أوحى الله (تعالى) إلى داود : ما من عبد يعتصم بي؛ دون خلقي؛ أعرف ذلك من نيته؛ فتكيده السماوات بمن فيها؛ إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا؛ وما من عبد يعتصم بمخلوق؛ دوني؛ أعرف ذلك من نيته؛ إلا قطعت أسباب السماء بين يديه؛ وأرسخت الهوى من تحت قدميه؛ وما من عبد يطيعني؛ إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني؛ وغافر له قبل أن يستغفرني" ؛ ابن عساكر ؛ عن كعب بن مالك ؛ (ح) .

التالي السابق


(أوحى الله إلى داود ) - عليه الصلاة والسلام -: (ما من عبد يعتصم) ؛ أي: يتمسك؛ (بي؛ دون خلقي؛ أعرف ذلك [ ص: 72 ] من نيته) ؛ أي: والحال أني أعرف من نيته أنه يستمسك بي وحدي؛ وأن ظاهره كباطنه في الالتجاء والتعويل علي وحدي؛ وفي بعض النسخ: "أعرف ذلك من قلبه"؛ بدل "نيته"؛ (فتكيده السماوات) ؛ السبع؛ (بمن فيها) ؛ من الملائكة؛ وغيرهم؛ والكواكب؛ وأفلاكها؛ وغير ذلك من سائر خلق الله؛ أي: يخدعونه؛ ويمكرون به؛ يقال: "كاده؛ كيدا"؛ أخدعه؛ ومكر به؛ والاسم: المكيدة؛ (إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا) ؛ أي: مخلصا من خداعهم له؛ ومكرهم؛ قال به بعضهم: وإنما قال - تعالى -: "أعرف ذلك..."؛ إلخ؛ وفيه نصرته بذلك؛ إشارة إلى أنه مقام يعز وجوده في غالب الناس؛ ولهذا قال في الحكم: لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك؛ فكيف يرفع غيره ما كان له هو واضعا؟! من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه؛ فكيف يستطيع أن يكون لها من غيره دافعا؟! أهـ؛ في بعض الكتب المنزلة: "يقول الله: وعزتي وجلالي؛ وارتفاعي في علو مكاني؛ لأقطعن أمل كل مؤمل لغيري باليأس؛ ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس؛ ولأنحينه من قربي؛ ولأقطعنه من وصلي؛ أتؤمل غيري وأنا الكريم؛ وتطرق أبواب الغير وبيدي مفاتيحها؛ وهي مغلقة؛ وبابي مفتوح لمن دعاني؟! من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به دونها؟! ومن ذا الذي رجاني لعظيم وقطعت رجاه؟!"؛ (وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني؛ أعرف ذلك من نيته؛ إلا قطعت أسباب السماء من يديه) ؛ أي: حجبت ومنعت عنه الطرق والجهات والنواحي التي يتوصل بها إلى الاستعلاء والسمو؛ ونيل المطالب؛ وبلوغ المآرب؛ فمن اعتصم بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا؛ واغتر بعرض الدنيا؛ فهو المخذول في دينه؛ الساقط من عين الله؛ قال في الصحاح: "السبب": كل شيء يتوصل به إلى غيره؛ وأسباب السماء: نواحيها؛ قال الزمخشري : "الأسباب": الوصل؛ وتقول: "ما لي إليه سبب"؛ أي: طرق؛ و"السمو": العلو؛ ويقال: "سما؛ يسمو؛ سموا"؛ علا؛ ومنه قيل: "سمت همته إلى معالي الأمور"؛ إذا طلب العز والشرف؛ (وأرسخت الهوى من تحت قدميه) ؛ يحتمل أن "الهوى"؛ بضم الهاء؛ وكسر الواو؛ وهو السقوط من علو إلى أسفل؛ ويكون المعنى أثبت الهوي تحت قدميه؛ فلا يزال في مهواه هابطا عن منازل العز والشرف؛ متباعدا عن مولاه؛ ويحتمل أنه الهوى؛ بالقصر؛ وهو ميل النفس وإشرافها إلى مذموم؛ والهوى أيضا: الشيء الخالي؛ ومن كلامهم: "لا تتبع الهوى؛ فمن تبع الهوى [هوى]"؛ قال الإمام الرازي في تفسيره: الذي جربته طول عمري أن الإنسان كلما عول في أمر على غير الله؛ صار سببا للبلاء والمحنة ؛ وإذا عول على الله؛ ولم يرجع إلى أحد من الخلق؛ حصل المطلوب على أحسن وجه؛ فهذه التجربة قد استمرت من أول عمري إلى هذا الوقت؛ فعلم أن كل من استند في نصرته إلى الخلق بنفسه؛ أو بوكيله؛ أو بقلبه؛ تخلفت عنه نصرة الحق - تعالى -؛ إلا أن يكون مشهده أن نصرة الخلق من جملة نصرة الحق - تعالى - له؛ من جهة أنه الملهم لهم أن ينصروه؛ فإنه (تعالى) ينصر عبده بواسطة؛ وبدونها؛ والكل منه؛ فلا يقدح ذلك في مقام الاستناد إليه (تعالى)؛ بل هو أكمل؛ لأن فيه استعمال الآلة وعدم تعطيلها؛ (وما من عبد يطيعني؛ إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني؛ وغافر له) ؛ ما فرط منه من الصغائر؛ ومقيلا له ما سقط فيه من هفوة؛ أو عثرة؛ (قبل أن يستغفرني) ؛ أي: قبل أن يطلب مني الغفر؛ أي: الستر؛ وإنما نزلناه على الصغائر والهفوات؛ لأنه فرضه أولا مطيعا له.

( ابن عساكر ) ؛ في التاريخ؛ (عن كعب بن مالك ) ؛ ورواه عنه الديلمي أيضا؛ في الفردوس.




الخدمات العلمية