الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير ) وقال مالك والشافعي : إذا وجد البعير والبقر في الصحراء فالترك أفضل . [ ص: 125 ] وعلى هذا الخلاف الفرس . لهما أن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة والإباحة مخافة الضياع ، وإذا كان معها ما تدفع عن نفسها يقل الضياع ولكنه يتوهم فيقضي بالكراهة والندب إلى الترك .

ولنا أنها لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس كما في الشاة ( فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرع ) لقصور ولايته عن ذمة المالك ، وإن أنفق بأمره كان ذلك دينا على صاحبها لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظرا له وقد يكون النظر في الإنفاق على ما نبين [ ص: 126 ] ( وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه ، فإن كان للبهيمة منفعة آجرها وأنفق عليها من أجرتها ) لأن فيه إبقاء العين على ملكه من غير إلزام الدين عليه وكذلك يفعل بالعبد الآبق ( وإن لم تكن لها منفعة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمر بحفظ ثمنها ) إبقاء له معنى عند تعذر إبقائه صورة ( وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا على مالكها ) لأنه نصب ناظرا وفي هذا نظر من الجانبين ، قالوا : إنما يأمر بالإنفاق يومين أو ثلاثة أيام على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها ، فإذا لم يظهر يأمر ببيعها لأن دارة النفقة مستأصلة فلا نظر في الإنفاق مدة مديدة .

قال رضي الله تعالى عنه : وفي الأصل شرط إقامة البينة وهو الصحيح لأنه يحتمل أن يكون غصبا في يده فلا يأمر فيه بالإنفاق وإنما يأمر به في الوديعة فلا بد من البينة لكشف الحال وليست البينة تقام للقضاء . [ ص: 127 ] وإن قال لا بينة لي بقول القاضي له أنفق عليه إن كنت صادقا فيما قلت حتى ترجع على المالك إن كان صادقا ، ولا يرجع إن كان غاصبا .

وقوله في الكتاب وجعل النفقة دينا على صاحبها إشارة إلى أنه إنما يرجع على المالك بعد ما حضر ولم تبع اللقطة إذا شرط القاضي الرجوع على المالك ، وهذه رواية وهو الأصح . قال ( وإذا حضر ) يعني ( المالك فللملتقط أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة ) لأنه حي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع ; وأقرب من ذلك راد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا ، ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس ، ويسقط إذا هلك بعد الحبس لأنه يصير بالحبس شبيه الرهن .

التالي السابق


( قوله ويجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير . وقال مالك والشافعي ) وأحمد ( إذا وجد البقر والبعير في الصحراء فالترك أفضل ، [ ص: 125 ] وعلى هذا الخلاف الفرس ) لهما ( أن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة وإباحة الالتقاط مخافة الضياع ، وإذا كان معها ما تدفع عن نفسها به ) كالقرن مع القوة في البقر والرفس مع الكدم وزيادة القوة في البعير والفرس ( يقل ) ظن ( الضياع ولكنه يتوهم فيقضي بالكراهة في الأخذ والندب إلى الترك ) هذا ، ولكن كلامهم يقتضي أن الخلاف في جواز الأخذ وحله وهو الظاهر .

( ولنا أنها لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس كما في الشاة ) لكن هذا قياس معارض بما روى أصحاب الكتب الستة كلهم عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني قال : { جاء رجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ، قلت : فضالة الغنم ؟ قال : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، وفي الصحيح قال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : فضالة الإبل ؟ قال : مالك ولها ؟ معها سقاؤها وحذاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر فذرها حتى يجدها ربها } وروى أبو داود { عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارت فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يأوي الضالة إلا ضال } وقال صلى الله عليه وسلم { إن ضالة المسلم حرق النار } رواه الجماعة .

أجاب في المبسوط بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة لا تصل إليها يد خائنة ، فإذا تركها وجدها ، وأما في زماننا فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده ، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها فهو أولى .

ومقتضاه أنه إن غلب على ظنه ذلك أن يجب الالتقاط وهذا أحق ، فإنا نقطع بأن مقصود الشارع وصولها إلى ربها وأن ذلك طريق الوصول ، فإذا تغير الزمان وصار طريق التلف فحكمه عنده بلا شك خلافه وهو الالتقاط للحفظ والرد . وأقصى ما فيه أن يكون عاما في الأوقات خص منها بعض الأوقات بضرورة العقل من الدين لو لم يتأيد بحديث عن عياض بن حماد { أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الضالة فقال : عرفها فإن جاء ربها وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء } ، فتأيد به زيادة بعد تمام الوجه ( قوله فإن أنفق الملتقط عليها بغير إذن الحاكم فهو متبرع لقصور ولايته عن ذمة المالك ) أي عن أن يشغلها بالدين بلا أمره .

( وإن أنفق بأمره كان دينا عليه لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظرا له ، وقد يكون النظر في الإنفاق على ما نبين ) الآن [ ص: 126 ] فإذا رفع إلى الحاكم فإن كان للبهيمة منفعة ) وثم من يستأجرها ( آجرها وأنفق عليها من أجرتها لأن فيه إبقاء العين على ملك مالكها بلا إلزام دين عليه ، وكذا يفعل بالعبد الآبق وإن لم تكن لها منفعة ) أو لم يجد منه من يستأجرها ( وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمر بحفظ ثمنها إبقاء له معنى عند تعذر إبقائه صورة ) فإن الثمن يقوم مقام العين إذ يصل به إلى مثله في الجملة ( وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن ) له ( في ذلك وجعل النفقة دينا عليه ) إذ ( فيه نظر من الجانبين ) جانب المالك بإبقاء عين ماله له وجانب الملتقط بالرجوع ( قال المشايخ : إنما يأمر بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قدر ما يرجى أن يظهر مالكها ) ، فإذا لم يظهر يأمر ببيعها لأن دارة النفقة مستأصلة للعين معنى ، بل ربما تذهب العين ويفضل الدين على مالكها ، ولا نظر في ذلك أصلا بل ينبغي أن لا ينفذ من القاضي ذلك لو أمر به للتيقن بعدم النظر ، وإذا باعها أعطى الملتقط من ثمنها ما أنفق في اليومين أو الثلاثة ، لأن الثمن مال صاحبها والنفقة دين عليه بعلم القاضي ، وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه ، وللقاضي أن يعينه عليه ، ولو باعها بغير أمر القاضي لا ينفذ ويتوقف على إجازة المالك ، فإن جاء وهي قائمة في يد المشتري فإن شاء أجاز البيع وإن شاء أبطله وأخذها من يده .

وإن جاء وهي هالكة فإن شاء ضمن المشتري قيمتها وإن شاء ضمن البائع ، فإن ضمن البائع نفذ البيع لأنه ملك اللقطة من حين أخذها وكان الثمن للبائع ويتصدق بما زاد على القيمة ( وفي الأصل ) يعني المبسوط ( يشترط البينة ) فإنه قال : فإن كان رفعها إلى القاضي وأقام بينة أنه التقطها أمره أن ينفق وصححه المصنف ( لأنه يحتمل أنه غصبها ، ولا يأمر بالنفقة إلا في الوديعة ) وهذه البينة ( لكشف الحال ) أي لينكشف للقاضي أنه التقطها لا للقضاء فلا يحتاج إلى خصم له ، ذكره في المبسوط .

وفي الذخيرة : [ ص: 127 ] الإمام خصم فيها عن صاحبها ( وإن قال ) الملتقط ( لا بينة لي يقول له أنفق عليها إن كنت صادقا ) وفي الذخيرة : يقول له ذلك بين يدي الثقات بأن يقول أمرته بالبيع أو الإنفاق إن كان الأمر كما قال ( وقوله في الكتاب وجعل النفقة دينا على صاحبها ) إشارة إلى أنه إنما يرجع ( إذا شرط القاضي ) ذلك ( وهذا رواية وهو الأصح ) وقيل يرجع بمجرد أمره ، وقد مر في اللقيط ( وإذ حضر المالك فللملتقط أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة لأنه حي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك منه فأشبه المبيع . وأقرب من ذلك راد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا )

من التشبيه بالمبيع ( ولا يسقط دين النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس ، ويسقط إذا هلك بعد الحبس لأنه يصير بالحبس كالرهن ) من حيث تعلق حقه به كالوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من ماله له أن يرجع على الموكل ، ولو هلك قبل الحبس لا يسقط عن الموكل ، ولو هلك بعده سقط لأنه كالرهن بعد اختيار الحبس ، هكذا ذكره المصنف ولم يحك خلافا وحافظ الدين في الكافي أيضا ، فيفهم أنه المذهب .

وجعل القدوري هذا قول زفر . قال في التقريب : قال أصحابنا : وأنفق على اللقطة بأمر القاضي وحبسها بالنفقة فهلكت لم تسقط النفقة خلافا لزفر لأنها دين غير بدل عن عين ولا عن عمل منه فيها ولا يتناولها : أي العين عقد يوجب الضمان . وصرح في الينابيع بعدم السقوط عن علمائنا الثلاثة فقال : لو أنفق الملتقط على اللقطة بأمر الحاكم وحبسها ليأخذ ما أنفق عليها فهلكت لم تسقط النفقة عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر .

وحاصل الوجه المذكور في التقريب نفي الحكم : أعني السقوط لعدم دليل السقوط ، فإن الدين ثابت وليست العين الملتقطة رهنا ليسقط بهلاكها إذا لم يتناولها عقد الرهن . والمصنف أوجد الدليل وهو الإلحاق بالرهن وإن لم يكن من حقيقته لكن النقل كما رأيت . وأما ما نقل عن أبي يوسف أنه [ ص: 128 ] ليس له حبسها أصلا فأبلغ




الخدمات العلمية