الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولكل واحد من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال ) لأنه معتاد في عقد الشركة ، ولأن له أن يستأجر على العمل ، والتحصيل بغير عوض دونه فيملكه ، وكذا له أن يودعه لأنه معتاد ولا يجد التاجر منه بدا . قال ( ويدفعه مضاربة ) ; لأنها دون الشركة فتتضمنها . وعن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك لأنه نوع شركة ، والأصح هو الأول ، وهو رواية الأصل ; لأن الشركة غير مقصودة ، وإنما المقصود تحصيل الربح [ ص: 184 ] كما إذا استأجر بأجر بل أولى ; لأنه تحصيل بدون ضمان في ذمته ، بخلاف الشركة حيث لا يملكها لأن الشيء لا يستتبع مثله . قال ( ويوكل من يتصرف فيه ) لأن التوكيل بالبيع والشراء من توابع التجارة والشركة انعقدت للتجارة ، بخلاف الوكيل بالشراء حيث لا يملك أن يوكل غيره لأنه عقد خاص طلب منه تحصيل العين فلا يستتبع مثله [ ص: 185 ] قال ( ويده في المال يد أمانة ) لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة فصار كالوديعة .

التالي السابق


( قوله ولكل واحد من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال ; لأنه معتاد في عقد الشركة ) من المتشاركين ( ولأن له أن يستأجر على عمل التجارة ، والتحصيل ) للربح ( بغير عوض دونه ) وأنه أقل ضررا ، فإذا ملك ما هو أكثر ضررا ملك ما هو أقل ، وظهر أن لفظ التحصيل مرفوع على الابتداء ، وخبره الظرف ( قوله وكذا له أن يودعه ; لأنه معتاد ولا يجد التاجر بدا منه ) في بعض الأوقات والمضايق .

وقوله ( ويدفعه مضاربة لأنها دون الشركة ) ; لأن الوضيعة في الشركة تلزم الشريك ولا تلزم المضارب ، فتتضمن الشركة المضاربة ( وعن أبي حنيفة ) لرواية الحسن ( أنه ليس له ذلك ; لأنه نوع شركة ) في الربح ( والأصح هو الأول وهو رواية الأصل ; لأن الشركة في الربح غير مقصودة ، وإنما المقصود تحصيل الربح ) [ ص: 184 ] فصار ( كما إذا استأجره بأجرة ) ليعمل له بعض أعمال التجارة ( بل أولى لأنه تحصيل بدون ضمان في ذمة الشريك ، بخلاف الشركة ) فإن أحد الشريكين لا يملك أن يشارك غيره في مال الشركة ( لأن الشيء لا يستتبع مثله ) ، وأورد عليه المكاتب يكاتب عبده والمأذون يأذن لعبده واقتداء المفترض والمتنفل بمثلهما ، والناسخ مثل المنسوخ .

وأجيب بأن ملكهما ذلك ليس بطريق الاستتباع بل بإطلاق التصرف مطلقا ، وكذا الاقتداء ليس صلاة الإمام مستتبعة لصلاتهما بل تلك مبنية عليها ، وحقيقة الناسخ مبين لا غير ، على أنه ليس وزان ما نحن فيه بتأمل يسير ، ولكل واحد أن يشتري بالنسيئة ، وإن كان مال الشركة في يده استحسانا ، وليس لأحد شريكي العنان الرهن : أي رهن عين من مال الشركة بدين من التجارة عليه والارتهان بدين له ، بخلاف المفاوض له أن يرهن ويرتهن على شريكه ، فإن رهن في العنان متاعا من الشركة بدين عليهما لم يجز وكان ضامنا للرهن ، ولو ارتهن بدين لهما لم يجز على شريكه ، فإن هلك الرهن في يده وقيمته والدين سواء ذهب بحصته ، ويرجع على شريكه بحصته ويرجع المطلوب بنصف قيمة الرهن على المرتهن ، وإن شاء شريك المرتهن ضمن شريكه حصته من الدين ; لأن هلاك الرهن في يده كالاستيفاء ، وكذا إذا باع أحدهما فليس للآخر قبضه ، وللمدين أن يمتنع من دفعه ، فإن دفعه إليه برئ من حصة القابض ، ولم يبرأ من حصة الآخر ، وليس لواحد منهما أن يخاصم فيما أدانه الآخر أو باعه ، والخصومة للذي باع وعليه ، ولا أن يؤخر دينا ، فإن أخره لم يمض على الآخر ، وكذا لا يمضي إقرار أحدهما بدين في تجارتهما على الآخر ، فإن أقر وأنكر الآخر لزم المقر جميع الدين إن كان هو الذي وليه ; لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد وكيلا كان أو مباشرا ، وإن أقر أنهما ولياه وأنكر الآخر لزمه نصفه .

ولو اشترى أحدهما شيئا فوجد به عيبا لم يكن للآخر أن يرده ; لأن ذلك من حقوق العقد ، ولو أخذ أحدهما مالا مضاربة اختص بربحه ; لأن مال المضاربة ليس من مال الشركة ، وعلى هذا لو شهد أحدهما لصاحبه بما ليس من شركتهما فهو جائز ، بخلاف المفاوض في جميع ذلك ، ويمضي إقراره عليه ويشارك شركة عنان ويمضي على الآخر ، بخلاف شريك العنان . ويجوز قبض كل من المتفاوضين ما أدانه الآخر أو أداناه ، أو وجب لهما على رجل من غصب أو كفالة أو غير ذلك ، ويرد بعيب ما اشتراه الآخر ، وكل منهما خصم عن الآخر يطالب بما على صاحبه ، وتقام عليه البينة ، ويستحلف على العلم فيما هو من ضمان التجارة ، وتقدم شيء من هذا أول الباب فيما هو من ضمان التجارة ( و ) لكل من شريكي العنان أن ( يوكل من يتصرف فيه لأن التوكيل بالبيع والشراء من أعمال التجارات ، والشركة انعقدت لها بخلاف الوكيل ) صريحا ( بالشراء ليس له أن يوكل به ; لأنه عقد خاص طلب به ) شراء شيء بعينه فلا يستتبع مثله ، [ ص: 185 ] وكل ما كان لأحدهما أن يعمله إذا نهاه شريكه عنه لم يكن له عمله فإن عمله ضمن نصيب شريكه ، ولهذا لو قال أحدهما اخرج لدمياط ولا تجاوزها فجاوز فهلك المال ضمن حصة شريكه ; لأنه نقل حصته بغير إذنه ، وكذا لو نهاه عن بيع النسيئة بعد ما كان أذن له فيه ( قوله ويده ) أي يد الشريك مطلقا ( في المال يد أمانة ; لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة ) فيكون أمانة ، بخلاف المقبوض على سوم الشراء ; لأنه قبضه على وجه إعطاء البدل فيكون مضمونا ، بخلاف الرهن فإنه مقبوض للتوثق بدينه فيضمن بذلك الدين ، وإذا كان مقبوضا على الوجه الذي ذكرنا صار كالوديعة فكان أمانة .

واعلم أن جميع الأمانات إذا مات تنقلب مضمونة بالموت مع التجهيل إلا في مسائل : إحداها إذا مات أحد المتفاوضين ولم يبين حال الذي كان في يده فإنه لا يضمن لشريكه نصيبه .

والأخرى في السير إذا أودع الإمام بعض الغنائم في دار الحرب قبل القسمة عند بعض الجند فمات .

ونذكر الثالثة في الوقف إن شاء الله تعالى . [ فروع في اختلاف المتفاوضين ]

قد علم أنه ليس لأحد المتفاوضين أن يقرض ولا يهب ولا يتصدق ولا يعير دابة من شركتهما ; ولو ادعى على آخر أنه شاركه مفاوضة فأنكر والمال في يد الجاحد فالقول قول الجاحد مع يمينه ، وعلى المدعي البينة ; لأنه يدعي العقد واستحقاق ما في يده وهو منكر ، فإن أقام البينة فشهدوا أنه مفاوضة أو زادوا على هذا فقالوا المال الذي في يده من شركتهما ، أو قالوا هو بينهما نصفان قضى للمدعي بنصفه ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالإقرار ، وجميع ما ذكر مقتضاه انقسام ما في يده فيقضى بذلك . فلو ادعى الذي في يده المال بعد ذلك أن هذا العين لي ميراثا مما في يده ، وأقام على ذلك بينة قبلت عند محمد ، ولم تقبل عند أبي يوسف ; لأن ذا اليد صار مقضيا عليه بنصف ما في يده ، وبينة المقضي عليه في إثبات الملك لا تقبل إلا أن يدعي تلقي الملك من قبل المقضي له ، كما لو كانت الشهادة مفسرة .

ولو ادعى ذو اليد عينا في يده أنها له خاصة وهب شريكه منه حصته ، وأقام البينة على الهبة والقبض قبلت ; لأنه إنما ادعى تلقي الملك منه ، ولو ادعى أنه مفاوضة ، والمال في يد المدعى عليه فأقر وقضى عليه ، ثم ادعى عينا مما كان في يده أو ميراثا أو هبة وأقام بينة قبلت . والفرق لأبي يوسف أن ذا اليد هنا مقر بالمفاوضة مدع للميراث ، ولا منافاة بينهما ، وقد أثبت دعواه بالبينة ، وفي الأول ذو اليد جاحد مدعى عليه ، وقد صار مقضيا عليه بحجة صاحبه ; ألا ترى أنه لو لم يكن أقام البينة في صورة الإنكار لم يستحلف خصمه ، وإذا مات أحد المتفاوضين والمال في يد الحي فادعى الورثة المفاوضة وجحد الحي ذلك فأقاموا البينة بذلك لم يقض لهم بشيء فيما في يد الحي ; لأنهما شهدا بعقد علم ارتفاعه لانتقاض المفاوضة بموت أحدهما ، ولأنه لا حكم فيما شهدا [ ص: 186 ] به في المال الذي في يده في الحال ; لأن المفاوضة فيما مضى لا توجب أن يكون المال الذي في يده في الحال من شركتهما إلا أن يقيموا أنه كان في يده في حياة الميت ، أو أنه من شركتهما فإنهم حينئذ شهدوا بالنصف للميت وورثته خلفاؤه .

ولو كان المال في يد الورثة وجحدوا الشركة فأقام الحي البينة على المفاوضة ، وأقاموا أن أباهم مات وترك هذا ميراثا من مفاوضة بينهما لم تقبل منهم لأنهم جاحدون ، فإنما يقيمونها على النفي وقد أثبت المدعي الشركة فيما في أيديهم فيقضى له بنصفه ، وصحح شمس الأئمة أن هذا قولهم جميعا ; ولو قالوا : مات جدنا وتركه ميراثا لأبينا وأقاموا البينة على هذا لا تقبل في قول أبي يوسف وتقبل في قول محمد ، كما لو كان المفاوض حيا وأقام البينة على ذلك بعد ما شهد الشهود عليه بالمفاوضة المطلقة ، وإذا افترق المتفاوضان فأقام أحدهما البينة أن المال كله كان في يد صاحبه ، وأن قاضي بلدة كذا قضى بذلك عليه ، وسموا المال ، وأنه قضى به بينهما نصفين فأقام الآخر بمثل ذلك من ذلك القاضي بعينه أو غيره ، فإن كان من قاض واحد ، وعلم تاريخ القضاءين أخذ بالآخر ، وهو رجوع عن الأول ونقض له ، وإن لم يعلم أو كان القضاء من قاضيين لزم كلا منهما القضاء الذي أنفذه عليه ; لأن كلا منهما صحيح ظاهرا فيحاسب كل صاحبه بما عليه ، ويترادان الفضل




الخدمات العلمية