الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 374 ] ( قال : ومن باع عبدا فباعه المشتري ثم رد عليه بعيب فإن قبل بقضاء القاضي بإقرار أو بينة أو بإباء يمين له أن يرده على بائعه ) ; لأنه فسخ من الأصل فجعل البيع كأن لم يكن . [ ص: 375 ] غاية الأمر أنه أنكر قيام العيب لكنه صار مكذبا شرعا بالقضاء ، ومعنى القضاء بالإقرار أنه أنكر الإقرار فأثبت بالبينة ، وهذا بخلاف الوكيل بالبيع إذا رد عليه بعيب بالبينة حيث يكون ردا على الموكل ; لأن البيع هناك واحد والموجود هاهنا بيعان ، فيفسخ الثاني والأول لا ينفسخ [ ص: 376 ] ( وإن قبل بغير قضاء القاضي ليس له أن يرده ) ; لأنه بيع جديد في حق ثالث وإن كان فسخا في حقهما والأول ثالثهما [ ص: 377 ] ( وفي الجامع الصغير : وإن رد عليه بإقراره بغير قضاء بعيب لا يحدث مثله لم يكن له أن يخاصم الذي باعه ) وبهذا يتبين أن الجواب فيما يحدث مثله وفيما لا يحدث سواء . وفي بعض روايات البيوع : إن كان فيما لا يحدث مثله يرجع بالنقصان للتيقن بقيام العيب عند البائع الأول . .

التالي السابق


( قوله ومن باع عبدا فباعه المشتري ) ثم رد عليه بعيب فإن قبله بقضاء القاضي ( ب ) سبب ( إقراره ) بالعيب أنه كان عنده ووجد عند المشتري منه وهو المشتري الآخر ( أو ببينة ) على ذلك لإنكاره العيب أو بسبب نكوله عن اليمين على العيب ( فله أن يرده على بائعه ) الأول : يعني له أن يخاصم الأول ويفعل ما يجب معه إلى أن يرده عليه ، وقيده في المبسوط بما إذا ادعى المشتري الثاني العيب عند البائع الأول أما إذا أقام البينة أن العيب كان عند المشتري الأول لم يذكره في الجامع ، وإنما ذكره في إقرار الأصل فقال : ليس للمشتري الأول أن يخاصم مع بائعه بالإجماع ; لأن المشتري الأول لم يصر مكذبا فيما أقر به ، ولم يوجد هنا قضاء على خلاف ما أقر به فبقي إقراره بكون الجارية سليمة فلا يثبت له ولاية الرد ، هذا وإنما يرده على ذلك التقدير ; لأن الرد بهذا الطريق ( فسخ من الأصل ) يعني من كل وجه ( فجعل البيع كأن لم يكن ) وقد اطلع على عيب فله أن يخاصم فيه إذ لا مانع من ذلك ، وما يخال مانعا منه ، وهو أن القضاء بالبينة والنكول فرع إنكاره العيب فبخصومته البائع الأول فيه يكون مناقضا فلا تسمع خصومته .

ولذا قال زفر : إنه لا يرده عليه للتناقض المذكور ، وكذا [ ص: 375 ] بالإقرار فإن معناه على ما فسره المصنف أن يدعي عليه أنه أقر بالعيب فينكر الإقرار فيشهد عليه بالإقرار ، فإن إقراره غير مقطوع به لجواز كذب الشهود ووهمهم ، ولهذا لو قال بعد الرد ليس به عيب لا يرده على البائع الأول بالاتفاق ، أجابالمصنف عنه بقوله ( لكنه صار مكذبا شرعا بالقضاء ) فانعدم إنكاره العيب هذا بعد تسليم أن إنكاره ظاهر في الصدق وإلا فيجوز كونه لدفع الخصومة فإن كثيرا من الناس يفعله فصار ظاهرا يعارض ظاهر الديانة المقتضية لصدقه ، ثم لو كان ظاهرا في صدقه فقد ثبت كون هذا الظاهر غير واقع لتكذيب الشرع إياه ، بخلاف قوله لا عيب به بعد الرد ; لأنه لا مكذب له ، وقد يقال : تكذيب الشرع إياه بإثبات العيب لا يرفع مناقضته ، وكونه مؤاخذا في حق نفسه بزعمه وهي الدافعة لخصومته للبائع الأول ، وقوله وهذا بخلاف الوكيل متصل بقوله له أن يرده ; لأن المعنى له أن يخاصم فيرده ، بخلاف الوكيل بالبيع إذا رد ما باعه بطريق الوكالة عليه بعيب بالقضاء بالبينة أو بإباء يمين أو بإقرار من المأمور بالعيب ، كذا لفظ الجامع حيث يكون ردا على الموكل من غير حاجة إلى خصومة والرد عليه بالخصومة ; لأن ذلك عند تعدد البيع حتى يكون البيع الأول قائما بعد انفساخ البيع الثاني فيحتاج إلى الخصومة في الرد ، وهنا البيع واحدا فإذا ارتفع رجع إلى الموكل من غير تكلف زيادة .

وقيده فخر الإسلام بعيب لا يحدث مثله ، فقال : له الرد بالبينة وبإباء اليمين وبالإقرار هو عيب لا يحدث مثله ، أما في عيب يحدث مثله يرده بالبينة وبإباء اليمين ولا يرده المأمور مع الإقرار ; لأن إقرار المأمور لا يسمع على الآمر ، ومعنى اشتراط البينة أو النكول أو الإقرار والفرض أنه لا يحدث مثله أنه إذا اشتبه على القاضي أن هذا عيب قديم أو لا أو علم أنه لا يحدث مثله في مدة شهر ولم يثبت عنده تاريخ البيع فاحتاج المشتري إلى إقامة البينة أو غيرها من الحجج أن تاريخ البيع منذ شهر فيعلم القاضي حينئذ أن العيب كان في يد البائع فيرده عليه ، أما إذا عاين القاضي تاريخ البيع والعيب ظاهر فلا يحتاج إلى شيء من ذلك فيكون الرد على الوكيل ردا على الموكل بلا زيادة خصومة .

وقد اعترض قول محمد أنه بنكول الوكيل يلزم الموكل ، فإن النكول بذل عنده إقرار عندهما ، وبذل الإنسان لا يثبت في حق غيره وإقرار الوكيل بالعيب لم يلزم الآمر في عيب يحدث مثله ، أجبت بأنه ليس حقيقة بل جار مجراه ; ألا ترى أنه لو ادعى بمال على عبد مأذون له في التجارة فأنكر ونكل عن اليمين يحكم عليه به مع أن بذله المال لا يجوز [ ص: 376 ] إلا في نحو الضيافة اليسيرة ، وكذا عندهما لو نكل عن اليمين في كل حكم كان له أن يعود فيحلف ويسقط المال عن نفسه ، ولو كان إقرارا لم يملك الرجوع عنه ، والشيء إذا أجري مجرى الشيء لا يلزم كونه مجرى مجراه من كل الوجوه وهل حكمه حكم صريح الإقرار ؟ عند أبي يوسف لا .

وعند محمد نعم ، وتظهر ثمرته فيما قال في الدعوى من رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف : لو ادعى دارا في يد رجل فأنكر ونكل وقضى القاضي للمدعي بها ثم أقام المدعى عليه البينة أنه اشتراها من المدعي قال : يسمع القاضي بينته وترد الدار عليه ، ولو أقام أنه اشتراها من رجل آخر لا تقبل .

وقال محمد بن سماعة : لا تقبل في الوجهين ، والنكول بمنزلة الإقرار ، وأبو يوسف يقول : ليس بصريح الإقرار فيقبل ، وفي الإيضاح إن رد على الوكيل بغير قضاء يلزمه خاصة سواء كان في عيب يحدث مثله أو لا يحدث مثله ; لأن هذا الفسخ عقد جديد في حق ثالث والموكل ثالثهما انتهى .

يعني الفسخ الذي بلا قضاء ، وقوله ( وإن قبل ) يعني المشتري الأول ( بغير قضاء القاضي ) بل برضاه ( لا يرده ) على بائعه ، هذا هو الشق الثاني من ترديد المسألة ، وحاصلها أن من اشترى عبدا أو غيره فباعه فرد عليه بعيب بقضاء بأحد الوجوه الثلاثة كان له أن يرده على البائع الأول خلافا لزفر ، وإن قبله بالتراضي ليس له أن يرده عليه ; لأن الرد بالتراضي بيع جديد في حق الثالث والبائع الأول ثالثهما كأن المشتري الأول اشتراه من المشتري الثاني ، ولو اشتراه المشتري الأول من المشتري الثاني لم يكن له أن يرده على الأول فلا خصومة فكذا هذا ، ولهذا لو كان على المشتري الأول في الدار شفعة فأسقط الشفيع حقه فيما باعه ثم رد بعيب بالتراضي تجدد للشفيع حق الشفعة كأن المشتري الأول اشترى ثانيا ما باع فلا يكون له حق الخصومة في الرد ولا في الرجوع بالنقصان .

وقال الشافعي : يرده إذا قبله بلا قضاء ; لأن الرد بالعيب عنده يرفع العقد من أصله ، نص عليه الشافعي فلم يتفاوت الرد بالقضاء والرضا ، ونحن بينا الفرق بأنه بالقضاء فسخ وبالرضا بيع جديد في حق ثالث وإن كان فسخا في حقهما ، فإن قيل : لما باشر سبب الفسخ ، وهو النكول أو الإقرار بالعيب يكون راضيا بحكم السبب فلا فرق بين القضاء والرضا في وجوب كونه بيعا في حق ثالث .

أجيب بأن المسألة فيما أقر بالعيب وأبى القبول فرد عليه القاضي جبرا فلا يتحقق فيه معنى البيع لعدم الرضا ، وقد قدمنا أن معنى الإقرار الشهادة عليه به ; ولأنه إذا قبله بغير قضاء فقد رضي بالعيب فلا يرده على بائعه ، واستشكل على هذا الأصل وهو أنه فسخ في الأصل مسائل : إحداها المبيع لو كان عقارا لا يبطل حق الشفيع في الشفعة .

ولو كان الرد بالعيب بالبينة فسخا من الأصل بطل حق الشفيع لبطلان البيع من الأصل ، والثانية ما إذا باع أمته الحبلى وسلمها فردت بعيب بقضاء ثم ولدت ولدا فادعاه أبو البائع لا تصح دعوته ، ولو كان الرد بقضاء فسخا من الأصل صحت كما لو لم يبعها الابن فادعاه الأب ، والثالثة ما لو أحال غريمه بالثمن على المشتري ثم رد المشتري بعيب بقضاء لا تبطل الحوالة ولو كان فسخا من الأصل بطلت ، أجيب ببيان المراد وهو أن محمدا ذكر في مواضع أن بالرجوع في الهبة يعود ملك الموهوب إلى قديم ملك الواهب فيما يستقبل لا فيما مضى ; ألا ترى أن من وهب مال الزكاة إلى رجل قبل الحول فسلمه إليه ثم رجع في هبته بعد الحول فإنه لا يجب على الواهب زكاة [ ص: 377 ] باعتبار ما مضى ولا يجعل الموهوب عائدا إلى قديم ملك الواهب في حق زكاة ما مضى من الحول ، وكذا الرجل إذا وهب دارا لآخر وسلمها إليه ثم بيعت دار بجنبها ثم رجع الواهب فيها لم يكن للواهب أن يأخذها بالشفعة ، ولو عاد الموهوب إلى قديم ملك الواهب وجعل كأن الدار لم تزل عن ملك الواهب كان له أن يأخذ بالشفعة ، وإذا عرف هذا الأصل خرجت المسائل المذكورة عليه .

أما الشفعة ; فلأن حق الشفيع كان ثابتا قبل الرد وحكم الرد يظهر فيما يستقبل لا فيما مضى ، وكذا المسألة الثانية ; لأن الأب إنما تصح دعوته باعتبار ولاية كانت له زمان العلوق وهو معنى سابق على الرد وقد بطل قبل الرد فلا يظهر حكم الرد فيها بل يبقى ما كان من عدم ولاية هذه الدعوة ، وكذا المسألة الثالثة ; لأن الحوالة كانت ثابتة قبل الرد فلا يظهر حكم الرد في إبطالها ; ولأن صحتها لا تستدعي عندنا دينا على المحال عليه ، ولهذا قال شيخ الإسلام : قول القائل الرد بقضاء فسخ وجعل العقد كأن لم يكن متناقض ; لأن العقد إذا جعل كأن لم يكن جعل الفسخ كأن لم يكن ; لأن فسخ العقد بدون العقد لا يكون .

فإذا انعدم العقد من الأصل انعدم الفسخ من الأصل ، وإذا انعدم الفسخ في الأصل عاد العقد لانعدام ما ينافيه لكن يقال : العقد كأن لم يكن على التفسير الذي قلناه ، وفي بعض المواضع قيده بعضهم بما إذا كان المبيع من غير النقود ، أما منها فلا ، وذلك لمسألة نقلها في المحيط من المنتقى : أن من اشترى دينارا بدراهم ثم باع الدينار من آخر ثم وجد المشتري الآخر بالدينار عيبا ورده على المشتري بغير قضاء فإنه يرده على بائعه ، وذلك لمعنى ، وهو أن المبيعين حينئذ يكونان معدومين ; لأن المعيب ليس بمبيع بل المبيع السليم فيكون المعيب ملك البائع ، فإذا رد على المشتري يرده بخلاف المبيعين في غير النقود كمسألة الهداية فإنهما موجودان في ذلك إذا قبله بدون القضاء فقد رضي بالعيب فلا يرده على بائعه .

وإذن ما فيها من الإطلاق المذكور بالنسبة إلى موضوع المسألة غير محتاج إلى هذا القيد ، وقوله ( وفي الجامع الصغير ) إلى آخره إنما ذكره ; لأن ظاهره يخالف القدوري ، فإنه لم يقيد المسألة فيه بكون العيب لا يحدث مثله ، وقيدها في الجامع حيث قال : وإن رد عليه بغير قضاء بعيب لا يحدث مثله لم يكن له أن يخاصم فقال : إنما قيد به ليعلم أنه كذلك فيما يحدث مثله بطريق أولى ; لأنه لما لم يتمكن من الرد فيما لا يحدث مثله كالأصبع الزائد والناقصة والسن الشاعبة ، فامتناعه فيما يحدث مثله كالمرض والسعال والقروح مع احتمال أنه حدث عند المشتري أولى ، قال المصنف .

( وفي بعض روايات البيوع ) أي بيوع الأصل ( إن كان فيما لا يحدث مثله يرجع ) يعني على البائع الأول إذا رده بالتراضي ( للتيقن بقيام العيب عند البائع الأول ) وقد فعلا بغير قضاء ما لو رفع إلى قاض فعله ; لأن الرد متعين في هذا فكان فعلهما كفعل القاضي ، والمراد لا يحدث مثله مطلقا أو في مدة كونه في ملك المشتري الأول إلى رد المشتري الثاني ، قيل ، ووجه عامة الروايات [ ص: 378 ] أن هذا رد ثبت بالتراضي فكان كالبيع الجديد ، ولا نسلم أنهما فعلا عين ما يفعله القاضي ; لأن الحكم الأصلي في هذا هو المطالبة بالسلامة ، وإنما يصار إلى الرد للعجز فإذا نقلاه إلى الرد لم يصح في حق غيرهما ; ألا ترى أن الرد إذا امتنع وجب الرجوع بحصة العيب ، وفيما ذكر من المسائل الحق متعين لا يحتمل التحول إلى غيره فافترقا ، هذا كله فيما إذا كان الرد بالعيب من المشتري الثاني بعد قبضه ، أما إذا كان قبل قبضه فللمشتري الأول أن يرده على البائع الأول سواء كان بقضاء أو بغير قضاء كما لو باع المشتري الأول للمشتري الثاني بشرط الخيار له أو بيعا فيه خيار رؤية فإنه إذا فسخ المشتري الثاني بحكم الخيار كان للمشتري الأول أن يرده مطلقا ، وعلمت أن الفسخ بالخيارين لا يتوقف على قضاء .

قال في الإيضاح : الفقه فيه أن قبل القبض له الامتناع من القبض عند الاطلاع على العيب فكان هذا تصرف دفع وامتناع من القبض ، وولاية الدفع عامة فظهر أثره في حق الكل ; ولهذا لا يتوقف على القضاء ، فأما بعد القبض فموجب العقد وقد تناهى إلا أن حقه في صفة السلامة قائم ، فإذا لم يسلم له ثبت حق الفسخ فجاء من هذا أن حق الفسخ بالعيب ما ثبت أصلا ; لأن الصفقة تمت بالقبض بل بغيره ، وهو استدراك حقه في صفة السلامة ، وإنما ظهر أثره في حق الكل ; لأنه ثبت بولاية عامة ، ولو كان بالتراضي ظهر أثره في حقهما خاصة ، بخلاف الرد بخيار الرؤية والشرط ; لأنه فسخ في حق الكل ; لأن حقه في الفسخ ثبت أصلا ; لأنهما يسلبان اللزوم في أصل العقد فكان بالفسخ مستوفيا حقا له ، وولاية استيفاء الحق تثبت على سبيل العموم ولذا لا يتوقف على القضاء .




الخدمات العلمية