الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت . وفي الجامع الصغير : ومن لم يؤخذ منه خراج رأسه حتى مضت السنة وجاءت سنة أخرى لم يؤخذ ) وهذا عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : يؤخذ منه وهو قول الشافعي رحمه الله ( وإن مات عند تمام السنة لم يؤخذ منه في قولهم جميعا ، وكذلك إن مات في بعض السنة ) أما مسألة الموت فقد ذكرناها . وقيل خراج الأرض على هذا الخلاف . وقيل لا تداخل فيه بالاتفاق . لهما في الخلافية أن الخراج وجب عوضا ، والأعواض إذا اجتمعت وأمكن استيفاؤها تستوفى ، وقد أمكن فيما نحن فيه بعد توالي السنين ، [ ص: 56 ] بخلاف ما إذا أسلم ; لأنه تعذر استيفاؤه . ولأبي حنيفة أنها وجبت عقوبة على الإصرار على الكفر على ما بيناه ، ولهذا لا يقبل منه لو بعث على يد نائبه في أصح الروايات ، بل يكلف أن يأتي به بنفسه فيعطي قائما ، والقابض منه قاعد . وفي رواية : يأخذ بتلبيبه ويهزه هزا ويقول : أعط الجزية يا ذمي فثبت أنه عقوبة ، والعقوبات إذا اجتمعت تداخلت كالحدود ; ولأنها وجبت بدلا عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا كما ذكرنا ، لكن في المستقبل لا في الماضي ; لأن القتل إنما يستوفى لحراب قائم في الحال لا لحراب ماض ، وكذا النصرة في المستقبل ; لأن الماضي وقعت الغنية عنه . ثم قول محمد في الجزية في الجامع الصغير وجاءت سنة أخرى ، حمله بعض المشايخ على المضي مجازا . [ ص: 57 ] وقال : الوجوب بآخر السنة ، فلا بد من المضي ليتحقق الاجتماع فتتداخل .

وعند البعض هو مجرى على حقيقته ، والوجوب عند أبي حنيفة بأول الحول فيتحقق الاجتماع بمجرد المجيء . والأصح أن الوجوب عندنا في ابتداء الحول ، وعند الشافعي في آخره اعتبارا بالزكاة . ولنا أن ما وجب بدلا عنه لا يتحقق إلا في المستقبل على ما قررناه فتعذر إيجابه بعد مضي الحول فأوجبناه في أوله .

التالي السابق


( فإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت ) أي الجزية أنث فعل الحولين لتأويله بالسنتين ، ولا داعي إلى ذلك من أول الأمر ، أو بتقدير مضاف : أي جزية حولين ، ولفظ القدوري فيما ذكره الأقطع : وإن اجتمع عليه حولان ( وفي الجامع الصغير : ومن لم يؤخذ منه خراج رأسه حتى مضت السنة ، وجاءت سنة أخرى ) لم يؤخذ منه ، وهذا عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : يؤخذ منه ، فإن مات عند تمام السنة لم يؤخذ منه في قولهم جميعا ، وكذا إن مات في بعض السنة أما مسألة الموت فقد ذكرناها .

( وقيل خراج الأرض على هذا الخلاف ) فإذا مضت سنون لم يؤخذ منه خراج عنده ، وعندهما يؤخذ منه ما مضى ( وقيل لا تداخل ) فيؤخذ ما مضى ( بالاتفاق لهما في الخلافية ) وهي تداخل الجزية ( أن الخراج ) أي الجزية ; لأنها خراج الرأس ( وجب عوضا ، والأعواض إذا اجتمعت وأمكن استيفاؤها ) على الوجه المأمور به ( تستوفى ، وقد أمكن فيما نحن فيه بعد توالي السنين ) ; لأنه ما دام كافرا أمكن استيفاؤه على وجه الصغار والإذلال له [ ص: 56 ] بخلاف ما إذا أسلم ; لأنه تعذر استيفاؤه ) ; لأن المسلم لا يجب إذلاله بل يجب توقيره ، وأنت تعلم أن كونها وجبت عوضا ، وكون المتحصل منها أعواضا خلاف ما تقدم وأنه بقول الشافعي أليق ، فإن أريد بالأعواض الأجزية الواقعة عقوبة تم عليهما وجه أبي حنيفة القائل : والعقوبات تتداخل حتى قلنا بتداخل كفارات الإفطار في رمضان مع أنها عقوبة وعبادة ، غير أن المرجح فيها جهة العقوبة فكيف بالعقوبة المحضة والجزية عقوبة محضة .

وقوله : ( ولهذا إلخ ) استيضاح على أنها عقوبة ; يعني ( لو بعث بها على يد نائبه لا تقبل منه في أصح الروايات ، بل يكلف أن يأتي بها بنفسه فيعطي قائما والقابض جالس . وفي رواية : يأخذ بتلبيبه ) وهو ما يلي صدره من ثيابه ( ويقول : أعط الجزية يا ذمي ) وقبولها من النائب يفوت المأمور به من إذلاله عند الإعطاء ، قال تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ووجه آخر ( أنها وجبت بدلا عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا كما ذكرنا ، لكن في المستقبل ) يعني عن القتل في المستقبل والنصرة في المستقبل ( لأن القتل إنما يستوفى لحراب قائم في الحال لا لحراب ماض ، وكذا النصرة في المستقبل ; لأن الماضي وقعت الغنية عنه ) بانقضائه فانقطعت الحاجة فيه إلى شيء من الأشياء .

وفي المبسوط : ولأن المقصود ليس هو المال بل استذلال الكافر واستصغاره ، وهذا المقصود يحصل باستيفاء جزية واحدة ( ثم قول محمد في الجامع ) : وجاءت سنة أخرى ، حمله بعض المشايخ على مضي السنة مجازا [ ص: 57 ] فقال : الوجوب بآخر السنة فلا بد من المضي ; ليتحقق الاجتماع في الحولين أو في الجزيتين ( فتتداخل ، وعند البعض هو مجرى على حقيقته ) وهو أن يراد دخول أول السنة ، فإن مجيء الشهر بمجيء أوله ، ومجيء السنة بمجيء أولها ، والأصح هو هذا ( فالوجوب عندنا بأول السنة ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى في آخره اعتبارا بالزكاة . ولنا أن ما وجبت ) الجزية ( بدلا عنه ) وهو النصرة ( والقتل لا يتحقق إلا في المستقبل على ما قررناه ) من أن القتل إنما يستوفى لحراب قائم في الحال دفعا للضرر عن المسلمين وبدلا عن نصرتهم . وإنما يحتاج إلى ذلك في المستقبل ، بخلاف الزكاة ; لأن الوجوب في المال النامي فلا بد من الحول ; ليتحقق الاستنماء فلم تجب قبله ; لعدم اتصافه بذلك قبله ثم أقيم الحول مقام النماء ; لأنه الممكن منه فصار المال به ناميا تقديرا .




الخدمات العلمية