الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن أسلم وعليه جزية سقطت عنه ) وكذلك إذا مات كافرا خلافا للشافعي فيهما . له أنها وجبت بدلا عن العصمة أو عن السكنى وقد وصل إليه المعوض [ ص: 53 ] فلا يسقط عنه العوض بهذا العارض كما في الأجرة والصلح عن دم العمد . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { ليس على مسلم جزية . } [ ص: 54 ] ولأنها وجبت عقوبة على الكفر ولهذا تسمى جزية وهي والجزاء واحد ، وعقوبة الكفر تسقط بالإسلام ولا تقام بعد الموت ، ولأن شرع العقوبة في الدنيا لا يكون إلا لدفع الشر وقد اندفع بالموت والإسلام ; ولأنها وجبت بدلا عن النصرة في حقنا وقد قدر عليها بنفسه بعد الإسلام . والعصمة تثبت بكونه آدميا والذمي يسكن ملك نفسه فلا [ ص: 55 ] معنى لإيجاب بدل العصمة والسكنى .

التالي السابق


( قوله : ومن أسلم وعليه جزية ) بأن أسلم بعد كمال السنة ( سقطت عنه ، وكذا إذا مات كافرا خلافا للشافعي فيهما ) وكذا لو مات في أثناء السنة أو أسلم . وفي أصح قولي الشافعي لا يسقط فيهما أيضا قسط ما مضى ، وعلى هذا الخلاف لو عمي أو زمن أو أقعد أو صار شيخا كبيرا لا يستطيع العمل أو افتقر بحيث لا يقدر على شيء ( له أن الجزية وجبت بدلا عن العصمة ) التي ثبتت للذمي بعقد الذمة كما هو قول للشافعي ( أو ) بدلا ( عن السكنى ) في دار الإسلام كما هو قول آخر له . ( وقد وصل إليه المعوض ) وهو حقن دمه وسكناه إلى [ ص: 53 ] الموت أو الإسلام وصار بذلك مستوفيا المبدل فتقرر البدل دينا في ذمته .

( فلا يسقط بهذا العارض ) الذي هو موته أو إسلامه كسائر الديون من الأجرة والصلح عن دم العمد فيما لو قتل رجلا عمدا فصالح على مال ثم مات قبل أدائه . ( ولنا ما ) أخرجه أبو داود والترمذي عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليس على مسلم جزية } ) قال أبو داود : وسئل سفيان الثوري عن هذا فقال : يعني إذا أسلم فلا جزية عليه ، وباللفظ الذي فسره به سفيان الثوري رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من أسلم فلا جزية عليه } وضعف ابن القطان قابوسا ، وليس قابوس في مسند الطبراني ، فهذا بعمومه يوجب سقوط ما كان استحق عليه قبل إسلامه ، بل هو المراد بخصوصه ; لأنه موضع الفائدة ، إذ عدم الجزية على المسلم ابتداء من ضروريات الدين ، فالإخبار به من جهة الفائدة ليس كالإخبار بسقوطها في حال البقاء .

وهذا يخص السقوط بالإسلام ، والوجه يعم موته وإسلامه ، وبهذا الحديث ونحوه أجمع المسلمون على سقوط الجزية بالإسلام فلا يرد طلب الفرق بين الجزية وبين الاسترقاق إذ كل منهما عقوبة على الكفر ، ثم لا يرتفع الاسترقاق بالإسلام ، وكذا خراج الأرض ، وترتفع الجزية ; لأن كلا منهما محل الإجماع ، [ ص: 54 ] فإن عقلت حكمة فذاك وإلا وجب الاتباع . على أن الفرق بين خراج الأرض والجزية واضح إذ لا إذلال في خراج الأرض ; لأنه مؤنة الأرض كي تبقى في أيدينا ، والمسلم ممن يسعى في بقائها للمسلمين بخلاف الجزية ; لأنها ذل ظاهر وشنار . وأما الاسترقاق ; فلأن إسلامه بعد تعلق ملك شخص معين برقبته فلا يبطل به حق المستحق المعين . بخلاف الجزية فإنه لم يتعلق بها ملك شخص معين بل استحقاق للعموم ، والحق الخاص فضلا عن العام ليس كالملك الخاص ( قوله : ولأنها ) ، أي الجزية إنما ( وجبت عقوبة على الكفر ولهذا سميت جزية وهي والجزاء واحد ) وهو يقال على الثواب بسبب الطاعة والعقوبة بسبب المعصية ، ولا شك في انتفاء الأول ، ولذا أخذت بطريق الإذلال بل هذا ضروري من الدين فتعين أنها عقوبة على معصية الكفر دنيوية لا بدل معاوضة كما ظنه .

( فتسقط بالإسلام ولا تقام بعد الموت ) ولهذا لا يضرب من سبق موته إقامة حد ثبت عليه ، ولأن العقوبة الدنيوية لا تكون إلا لدفع شره في الدنيا بحسب ما يكون ذلك الشر ، والشر الذي يتوقع بسبب الكفر الحرابة والفتنة عن الدين الحق ( وقد اندفع بالموت والإسلام ) وهذا لا ينافي كونها بدلا : أي خلفا عن النصرة لنا فكانت عقوبة دنيوية على كفره الذي هو سبب لحرابته دفعا لها بإضعافه بأخذها منه وبدلا عن نصرته الفائتة بكفره ، وإذا كانت خلفا أيضا عن النصرة انتفت بالإسلام ; لأن شرط الخلف عدم القدرة على الأصل ، وقد قدر عليها بالإسلام .

وأما قوله : إنها بدل عن [ ص: 55 ] العصمة فهي ثابتة بالآدمية على ما تقدم من ثبوتها ضرورة تمكنه من فعل ما كلف به أو لظهور خلافه منه فلا يكون ثبوتها بقبول الجزية ، وقوله بدلا عن السكنى . قلنا إن الذمي يسكن ملك نفسه فلا تكون أجرة ; ولأنه بعقد الذمة صار من أهل الدار فلا يؤخذ منه بدل تمكنه من الإقامة بها ، والأحسن ترك الكلام في إبطال الأمرين فإن العصمة الأصلية زالت بالكفر ، وهذه عصمة متجددة بالجزية ، ويكفي ما ذكرنا من دلالة أنها عقوبة جزاء ثم تثبت العصمة معها لتمكن إقامتها ، وهذا ; لأنها عقوبة مستمرة لاستمرار السبب وهو كفره الداعي إلى حرابته ، ولا يتمكن من إقامة هذه العقوبة على الاستمرار إلا بعصمته .




الخدمات العلمية