الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا أسلم الحربي في دار الحرب فقتله مسلم عمدا أو خطأ وله ورثة مسلمون هناك فلا شيء عليه إلا الكفارة في الخطأ ) وقال الشافعي : تجب الدية في الخطإ والقصاص في العمد ; لأنه أراق دما معصوما ( لوجود العاصم وهو الإسلام ) لكونه مستجلبا للكرامة ، وهذا ; لأن العصمة أصلها المؤثمة ; لحصول أصل الزجر بها [ ص: 28 ] وهي ثابتة إجماعا ، والمقومة كمال فيه لكمال الامتناع به فيكون وصفا فيه فتتعلق بما علق به الأصل .

ولنا قوله تعالى { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة } الآية . جعل التحرير كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء أو إلى كونه كل المذكور فينتفي غيره ، ولأن العصمة المؤثمة بالآدمية [ ص: 29 ] لأن الآدمي خلق متحملا أعباء التكليف ، والقيام بها بحرمة التعرض ، والأموال تابعة لها . أما المقومة فالأصل فيها الأموال ; لأن التقوم يؤذن بجبر الفائت وذلك في الأموال دون النفوس ; لأن من شرطه التماثل ، وهو في المال دون النفس فكانت النفوس تابعة ، ثم العصمة المقومة في الأموال بالإحراز بالدار ; لأن العزة بالمنعة فكذلك في النفوس إلا أن الشرع أسقط اعتبار منعة الكفرة ; لما أنه أوجب إبطالها . والمرتد والمستأمن في دارنا من أهل دارهم حكما لقصدهما الانتقال إليها

التالي السابق


( قوله : وإذا أسلم الحربي في دار الحرب فقتله مسلم عمدا أو خطأ وله ورثة مسلمون ) صالحون ; لاستيفاء القصاص والدية ( فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في الخطأ . وقال الشافعي : تجب الدية في الخطإ والقصاص في العمد ) وهو قول مالك وأحمد ( لأنه أراق دما معصوما ) بالإسلام ( لكون الإسلام مستحقا للكرامة وهذا ; لأن العصمة أصلها ) العصمة ( المؤثمة ; لحصول أصل الزجر بها ) أي بالعصمة ، [ ص: 28 ] ولو قال به ، أي بالإثم لكان أحسن ( و ) العصمة ( المقومة كمال فيه ) أي في أصل العصمة ( لكمال الامتناع به ) أي التقويم على المنتهك لها ( فتعلق ) هذه العصمة ( بما علق به الأصل ) أعني المؤثمة .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " فتنصرف العصمة إلى كمالها وذلك بالمقومة والمؤثمة ، ولنا قوله تعالى { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } فإنه في القتل الخطإ ، ولم يستدل على منع القصاص في العمد اكتفاء بما ذكر في المسألة من دلالة الآية ; لأنه تعالى أفاض في تفاصيل موجبات القتل الخطإ فقال سبحانه وتعالى : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } فأوجب الدية والكفارة ثم قال { فإن كان } أي المقتول { من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة } واقتصر عليه فعرف أنه تمام الموجب ; لأنه مفيض في بيان حكم قتل المسلم الكائن من قوم عدو لنا فقال موجبه كذا ولم يزد عليه فكان كل الموجب ، وإلا لم يكن بيانا لموجبه بل لبعض موجبه ، وزاد المصنف وجها آخر قدمه على هذا الوجه ، وهو قوله : رجوعا إلى حرف الفاء ، وقرر بأن الفاء للجزاء والجزاء هو الكافي يقال جزى فلان : أي كفى وهو سهو ; لأن لفظ الجزاء المجعول معنى الفاء لفظ اصطلاحي : أي جعلي لا أن اللغة وضعت لفظ الفاء لمعنى لفظ الجزاء حتى يقال الجزاء الذي هو معنى الفاء الكافي . بل المراد بقول النحاة الفاء للجزاء : أي دالة على أن ما بعدها مسبب عما قبلها فسمي المسبب جزاء اصطلاحا لا لغة فليتأمل .

( ولأن العصمة المؤثمة ) في الأصل ( بالآدمية ) لا بوصف الإسلام [ ص: 29 ] لأنه خلق متحملا أعباء التكاليف والقيام بها ) لا يمكن إلا مع ( حرمة التعرض له ) ، وإنما زالت بعارض الكفر فإذا انتفى عادت بخلاف الأموال ; لأنها بحسب الأصل مباحة ; لأنها خلقت للانتفاع بها والعصمة المقومة بالعكس فالأموال هي الأصل فيها لا النفوس ( لأن التقوم يؤذن بجبر الفائت ) ومن شرطه التماثل وهو في الأموال لا النفوس ، فكانت النفوس تابعة في العصمة المقومة للأموال . ( ثم العصمة المقومة في الأموال بالإحراز بالدار ; لأن العزة بالمنعة ، فكذا في النفوس إلا أن الشرع أبطل اعتبار منعة الكفر ) فأوجب بطلانها . فإن قيل : لو صح ما ذكرتم لزم في المرتد والمستأمن إذا قتلا في دارنا الدية . أجاب بأنهما ( من أهل دار الحرب حكما لقصد الانتقال إليها ) فلم يجب شيء .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم { عصموا مني دماءهم } فنقول : لا شك في ثبوت العصمة شرعا ولا يستلزم كمالها إلا بدليل ، ولو سلمنا ذلك فقد قال عليه الصلاة والسلام إلا بحقه ومن حقه أن يكونوا في دارنا لا يكثرون [ ص: 30 ] سواد العدو إلا أن هذا لا ينتهض في الأسير المسلم .




الخدمات العلمية