الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 320 ] قال ( ومن اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره فأيهما أجاز الخيار وأيهما نقض انتقض ) وأصل هذا أن اشتراط الخيار لغيره جائز استحسانا ، وفي القياس لا يجوز وهو قول زفر ; لأن الخيار من مواجب العقد وأحكامه ، فلا يجوز اشتراطه لغيره كاشتراط الثمن على غير المشتري .

[ ص: 321 ] ولنا أن الخيار لغير العاقد لا يثبت إلا بطريق النيابة عن العاقد فيقدر الخيار له اقتضاء ثم يجعل هو نائبا عنه تصحيحا لتصرفه ، وعند ذلك يكون لكل واحد منهما الخيار ، فأيهما أجاز جاز ، وأيهما نقض انتقض ( ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر يعتبر السابق ) لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره ، ولو خرج الكلامان منهما معا يعتبر تصرف العاقد في رواية وتصرف الفاسخ في أخرى . وجه الأول أن تصرف العاقد أقوى ; لأن النائب يستفيد الولاية منه .

[ ص: 322 ] وجه الثاني أن الفسخ أقوى ; لأن المجاز يلحقه الفسخ والمفسوخ لا تلحقه الإجازة ، ولما ملك كل واحد منهما التصرف رجحنا بحال التصرف . وقيل الأول قول محمد والثاني قول أبي يوسف ، واستخراج ذلك مما إذا باع الوكيل من رجل والموكل من غيره معا ; فمحمد يعتبر فيه تصرف الموكل ، وأبو يوسف يعتبرهما .

التالي السابق


( قوله ومن اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره ) يعني لغير الذي ليس هو عاقدا وإلا فغيره يصدق على البائع ( فأيهما أجاز ) من الشارط العاقد أو المشروط له الذي هو غيره ( جاز ، وأيهما نقض ) البيع ( انتقض ) فلفظ من مبتدأ والجملة الشرطية وهي " أيهما أجاز " خبره ، وإذا تضمن المبتدأ معنى الشرط جاز دخول الفاء في خبره نحو : الذي يأتيني فله درهم ( وأصل هذا ) أي جواز اشتراطه لغير العاقد ( أن جوازه استحسان . وفي القياس : لا يجوز وهو قول زفر ) وقول الشافعي ، وبقولنا قال مالك وأحمد وهو الأصح من مذهب الشافعي ، إلا أن في ثبوته للعاقد مع ذلك الغير وجهين : وفي وجه يثبت لهما ، وفي وجه يثبت للغير وحده . وعلى قوله الموافق لقول زفر فيه وجهان وفي وجه يفسخ البيع ، وفي وجه يصح البيع ويبطل الشرط ، وجه ( قول زفر أن الخيار من مواجب العقد وأحكامه فلا يجوز اشتراطه لغير العاقد كاشتراط الثمن على غير المشتري ) واشتراط ملك المبيع لغير المشتري ، واشتراط تسليم الثمن أو المبيع على غير العاقدين ; ولأن هذا تعليق انفساخ البيع وانبرامه بفعل الغير والبيع لا يحتمل ذلك ، وقياسا على خيار الرؤية والعيب . وجه الاستحسان أن الحاجة قد تمس إلى اشتراطه للغير ; لأن شرعيته لاستخلاص الرأي ، وقد يكون الإنسان يعلم من نفسه قصور الرأي والتدبير غير واثق بها في ذلك بل بغيره ممن يعلم حزمه وجودة رأيه ومعرفته بالقيم وأحوال البياعات ، فيشترط الخيار له يحصل المقصود من شرعيته فيجب تصحيحه ، وأجنبيته عن العقد إنما تمنع إن سلمنا صحة مانعيته لو أجزناه أصلا مستقلا ، لكنا [ ص: 321 ] لم نعتبره إلا تبعا لثبوت الاشتراط للعاقد فيثبت اشتراطه لنفسه اقتضاء تصحيحا لتصرفه فيثبت لهما . واستشكل باستلزامه ثبوت ما هو الأصل بطريق الاقتضاء ، والثابت به إنما هو يكون تبعا . قلنا : الملازمة ممنوعة ; لأن المراد التبعية ، والأصالة بالنسبة إلى ما هو المقصود أولا وبالذات لا بالنسبة إلى الوجود ، فالمقصود بالذات في قوله أعتق عبدك عني بألف إنما هو العتق ، فكان التملك مقصودا لغيره تبعا لقصده ليصح العتق عنه ، وإن كان أصلا بالنسبة إلى الوجود فكذا هنا المقصود أولا بالذات ليس إلا الاشتراط للأجنبي ; لأنه هو الذي يحصل به مقصود العاقد بالفرض ، فكان ثبوته للعاقد تبعا للمقصود ليصح المقصود به ، فكان ثبوته بطريق الاقتضاء واقعا على ما هو الأصل في الاقتضاء . هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى ولا حاجة في جوابه إلى تكلف زائد . فإن قيل : فلم لم يجر اشتراط الثمن على الأجنبي وتثبت كفالته اقتضاء كما يثبت الخيار له ويثبت للعاقد اقتضاء ؟ أجيب بأن الثمن دين على العاقد ، والكفالة ليس فيها نقل الدين على الكفيل ، فلو ثبتت الكفالة اقتضاء لاشتراطه على الأجنبي أبطلت المقتضى وهو اشتراطه فإنه إنما يعني به ثبوته على المشترط عليه على ما هو ثابت على العاقد . نعم لو كفله كفالة صريحة بالثمن الدين صح ( وعند ذلك ) أي صيرورة الخيار لهما ( ويكون لكل منهما الخيار ، فأيهما أجاز جاز وأيهما نقض ) البيع ( انتقض ، ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر يعتبر السابق لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره ، ولو خرج الكلامان معا يعتبر تصرف العاقد في رواية ) كتاب البيوع نقض أو أجاز ( والتصرف ) والذي هو ( الفسخ في أخرى ) هي رواية كتاب المأذون سواء كان من العاقد أو وكيله الأجنبي ( وجه الأول أن تصرف العاقد أقوى ; لأن النائب يستفيد الولاية منه ) [ ص: 322 ] والتصرف الصادر عن أصالة أقوى من التصرف الصادر عن نيابة . واستشكل بما إذا وكل رجلا آخر بطلاق امرأته فطلقاها معا فالواقع طلاق أحدهما لا طلاق الموكل عينا ، ولو كان المرجح الأصيل تعين طلاقه . أجيب بأن الوكيل في الطلاق سفير كالوكيل في النكاح فكانت عبارته عبارته فالصادر من كل منهما عين الصادر من الآخر ( وجه الثاني أن ) لا ترجيح بكونه أصيلا أو وكيلا ; لأن الوكيل بعدما استفاد الولاية على الفعل كان مثله فاستويا ثم يترجح بنفس التصرف ، و ( الفسخ أقوى ) ; لأنه يلحق المجاز فيبطله والإجازة لا تلحق المفسوخ فتبرمه . قال شمس الأئمة الصحيح ما ذكر في المأذون ثم قالوا ( الأول قول محمد والثاني قول أبي يوسف ، واستخرج ) هذا الترجيح من مسألة اختلفا فيها هي ما إذا وكل غيره ببيع عبده فباع الموكل من رجل والوكيل من آخر ; فمحمد جعل البيع ممن باع منه الموكل ترجيحا لتصرفه للأصالة ( وأبو يوسف يعتبرهما ) على السواء فيجعل العبد مشتركا بينهما ويخير كل منهما لتفرق الصفقة وعيب الشركة . وقيل عند محمد يصح في النصف [ ص: 323 ] وينفسخ في النصف : أي فيما إذا شرط الخيار لغيره لكن يتخير صاحبه لتفرق الصفقة عليه .




الخدمات العلمية