الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وتزكية وإن بحد من معروف ، إلا الغريب : [ ص: 403 ] بأشهد أنه عدل رضا [ ص: 404 - 406 ] من فطن [ ص: 407 ] عارف لا يخدع ; معتمد على طول عشرة ، لا سماع من سوقه ، أو محلته ، إلا لتعذر

التالي السابق


( و ) كشاهد في ( تزكية ) لشاهد فتقبل تزكيته إن برز وكانت الشهادة بمال ، بل ( وإن ) كانت ( ب ) موجب ( حد ) كقتل وردة وزنا وقذف وسكر . الباجي يجوز التعديل في الدماء وغيرها قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه . وقال أحمد بن عبد الملك لا يكون التعديل في الدماء ولا يقضى به ، ويزاد على شرط التبريز كون التزكية ( من ) شخص ( معروف ) عند القاضي بالعدالة فلا تقبل التزكية من معروف بها عنده ( إلا ) الشاهد ( الغريب ) فتقبل تزكيته من غير معروف بها عنده ، و مثل الغريب المرأة . ابن عاشر .

تعديل احتاج لتعديل هبا إلا عدالة النسا والغربا

أي إلا تعديل النساء والغرباء ، فإنه يقبل ممن يحتاج للتعديل لكونه غير معروف عند القاضي و الهباء ما يرى في شعاع الشمس الداخل من كوة مثل الغبار " غ " أشار به لقولها في كتاب اللقطة وإن شهد قوم على حق فعدلهم قوم غير معروفين فعدل المعدلين [ ص: 403 ] آخرون ، فإن كان الشهود غرباء جاز ذلك ، وإن كانوا من أهل البلد فلا يجوز ذلك ; لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالة إذا كانوا من أهل البلد حتى تكون عدالة الشهود أنفسهم عند القاضي .

ولا بد من كون التزكية بقول الشاهد ( أشهد بأنه ) أي الشاهد المزكى بالفتح ( عدل رضى ) بكسر الراء وفتح الضاد المعجمة مقصورا منونا ، أي مقبول الشهادة . ابن الجلاب لا يجزئ الاقتصار على أحدهما . وقال ابن زرقون المعلوم من المذهب إجزاؤه ، وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من لفظ أشهد فلا يجزئ أعلم أو أعرف قاله تت . طفى تبع قول البساطي لا بد من لفظ أشهد ، فلو قال هو عدل رضى فلا يكفي على المشهور . ا هـ . وهو تابع لقول الموضح في شرح قول ابن الحاجب ، ويكفي في التعديل أشهد أنه عدل رضى ، وقيل أو أعلمه أو أعرفه يعني أن القول الأول يشترط أن يقول أشهد ، والثاني يكفي عنده أشهد أو أعلمه عدلا رضى أو أعرفه . ا هـ . وهذا مراده في مختصره لإدخال الجار على الفعل قاصدا حكاية لفظه وفيه نظر ، إذ ما ذكره ليس هو مراد ابن الحاجب ، وإنما مراده أن القول الأول لا بد من الجزم بأنه عدل ، سواء عبر عنه بلفظ أشهد أو بغيره ولا يقول أعلمه ولا أعرفه ، وعلى هذا شرحه ابن عبد السلام ، فقال في القول الأول اختار مالك رضي الله تعالى عنه أن يقول المزكي هذا الشاهد عدل رضى ا هـ . اللخمي إن قال هو عدل رضى صحت العدالة . المازري

قال مالك رضي الله تعالى عنه لفظ التعديل . أن يقول هو عدل رضى . ا هـ . فهذا يدل على أنه لا يشترط لفظ أشهد خلافا للمصنف ، وقد تعقبه ابن مرزوق بقوله لم أقف على اشتراط لفظ أشهد في التزكية ، والروايات تدل على عدم اشتراطه ، وأطال في ذلك . ورد ابن الحاجب بقوله يكفي إلخ قول ابن كنانة وسحنون يقول هو عدل رضى جائز الشهادة يجمع بين الثلاثة . ابن عرفة ابن رشد اختار أن يجمع بين قوله هو عندي من أهل العدل والرضى لقوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء } وقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فإن اقتصر على أحدهما اكتفى به لذكره تعالى كل لفظ وحده . قلت وهو نقل [ ص: 404 ] ابن فتوح عن المذهب . اللخمي إن قال عدل رضى صحت العدالة ، واختلف إن اقتصر على إحدى الكلمتين هل هو تعديل أم لا ، فإن قال إحداهما ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل لورود القرآن بقبول شهادة من وصف بإحداهما ، وإن سئل عن الأخرى فوقف فهي ريبة في تعديله فيسأل عن سبب وقفه ، فقد يكون مما لا يقدح في العدالة أو يذكر ما يريب فيوقف عنه . وفي الجلاب والتزكية أن يقول الشاهد أن نشهد أنه عدل رضى ، ولا يقتصران على لفظ واحد من العدل والرضى . ابن عرفة وفي كون إحدى الكلمتين لا تكفي وهو الذي في الجلاب ، وفي الكافي هو تحصيل مذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه . وقال ابن زرقون المعلوم من المذهب خلافه ، وأنه إن اقتصر على أحدهما أجزأه وهو المعلوم لمالك وسحنون وغيرهما واختار اللخمي التفصيل المتقدم ، فالأولى الإشارة إلى هذا الخلاف ، والله أعلم .

( فائدة ) القرافي قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به وما لا يصح أداؤها به . اعلم أن أداء الشهادة لا يصح بالخبر ألبتة ، فلو قال الشاهد للحاكم أنا أخبرك أن لزيد عند عمرو دينارا عن يقين مني وعلم به فلا يعد شهادة ، بل هذا وعد من الشاهد له أنه سيخبره به عن يقين فلا يعتمد الحاكم عليه . ولو قال قد أخبرتك بكذا فهو كاذب ، إذ مقتضاه تقدم إخباره به ولم يقع ، فالمضارع وعد والماضي كذب ، وكذا اسم الفاعل المقتضي للحال كأنا مخبرك بكذا ، فإنه إخبار عن إخباره في الحال ، ولم يقع فظهر أن الخبر كيف تصرف لا يعد شهادة ولا يعتمد عليه الحاكم ، وكذلك إذا قال الحاكم للشاهد بأي شيء تشهد فقال حضرت عند فلان ، فسمعته يقر لفلان بكذا أو أشهدني على نفسه بكذا ، أو شهدت بصدور البيع بينهما أو غيره من العقود ، فليس هذا أداء شهادة ; لأن هذا مخبر عن أمر تقدم ، فيحتمل أن يكون قد اطلع بعد على ما منع الشهادة به من فسخ [ ص: 405 ] أو إقالة أو حدوث ريبة للشاهد تمنع الأداء فلا يجوز لهذه الاحتمالات الاعتماد على شيء من ذلك إذا صدر بهن الشاهد ، فالخبر كيف تقلب لا يجوز الاعتماد عليه ، بل لا بد من إنشاء الإخبار عن الواقعة المشهود بها والإنشاء ليس بخبر ، ولذا لا يحتمل التصديق والتكذيب ، فإذا قال الشاهد أشهد بكذا كان إنشاء ، ولو قال شهدت لم يكنه . عكس البيع لو قال أبيعك لم يكن إنشاء له ، بل وعد لا ينعقد به .

ولو قال بعتك كان إنشاء للبيع ، فإنشاء الشهادة بالمضارع والعقود بالماضي وإنشاء الطلاق والعتق بالماضي واسم الفاعل نحو أنت طالق وأنت حر ولا ينشأ البيع والشهادة باسم الفاعل ، فلو قال أنا شاهد بكذا أو أنا بائع ، كذا لم يكن إنشاء .

وسبب الفرق بين هذه المواطن الوضع العرفي ، فما وضعه أهل العرف للإنشاء فهو إنشاء وما لا فلا فاتفق أنهم وضعوا للإنشاء الماضي في العقود ، والمضارع في الشهادة واسم الفاعل في الطلاق والعتاق ، فلما كانت هذه الألفاظ موضوعة للإنشاء في هذه الأبواب صح اعتماد الحاكم على المضارع في الشهادة ; لأنه موضوع له صريح فيه ، والاعتماد على الصريح هو الأصل ، ولا يعتمد على غيره لعدم تعين المراد منه ، فإن اتفق تغير العرف وصار الماضي موضوعا لإنشاء الشهادة والمضارع لإنشاء العقود اعتمد الحاكم على العرف الطارئ ، ولا يعتمد على العرف الأول الذي ترك فتلخص أن الفرق بين هذه الألفاظ ناشئ عن العوائد وتابع لها ، وأنه ينقلب وينتسخ بتغيرها وانقلابها فلا يبقى بعد هذا خفاء في الفرق بين ما تؤدى به الشهادة وما لا تؤدى به ا هـ . طفى جعله أشهد إنشاء لا يصح لغة واصطلاحا ، لقول الجوهري الشهادة خبر قاطع تقول منه شهد فلان على كذا ، وقول ابن فارس في مجمله الشهادة خبر عن علم ، وقول فخر الدين أشهد إخبار عن الشهادة وهو الحكم الذهني المسمى كلام النفس ، وكذا هو في اصطلاح الفقهاء لوصف الشاهد بالصدق والزور ، وهما من عوارض الخبر ، وهو مخالف لما اختاره في الفرق بين الشهادة والرواية من أنه إن كان المخبر عنه عاما فهي الرواية ، وإن كان خاصا فهي الشهادة .

[ ص: 406 ] فإن قلت لا مخالفة بين جعل لفظ أشهد إنشاء ، والشهادة خبرا ، كما قال المحلي في شرح قول جمع الجوامع الإخبار عن عام لا تدافع فيه الرواية ، وخلافه الشهادة وأشهد إنشاء تضمن إخبارا لا محض إخبار أو إنشاء ، وعلى المختار لا منافاة بين كون أشهد إنشاء وبين كون معنى الشهادة إخبارا ; لأنه صيغة مؤدية لذلك المعنى بمتعلقه . قلت الشهادة مصدر أشهد فيلزم من جعل أحدهما إنشاء كون الآخر كذلك ، ومن النظر إلى المتعلق في أحدهما كون الآخر كذلك ، فلا معنى للمخالفة بينهما كما صنع صاحب جمع الجوامع والمحلى ، ولا شك أن أشهد إن سلم أنه إنشاء لزم كونه إنشاء لذلك الخبر ، كما صرح به القرافي ، فإن نظرنا إلى المتعلق فخبران وإلا فإنشاءان ، ولا معنى للتفرقة بينهما ، وصاحب جمع الجوامع بنى ما ذكره على مذهبه ; لأن الشافعية عندهم حصر الشهادة في لفظ أشهد ، فكأنه منقول عن الخبر ، فحصر القرافي الشهادة فيه خلاف مذهب المالكية ، إذ لم يشترطوا لأداء الشهادة صيغة مخصوصة ، بل قالوا الدار على حصول العلم . وقد قال ابن عرفة الأداء عرفا إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم بما شهد به . في النوادر قوله هذه شهادتي أداء لها ، والفرق الذي ذكره لم يذكره غيره ، ويبعد أن يتقرر عنده دون غيره مع توفر العلماء في زمانه ، ولم يذكره أحد ، وبه تعلم أن قول ابن عرفة في حصر القرافي أداء الشهادة في لفظ أؤدي الأظهر أنه لعرف تقرر بعيد ، وقد قال ابن فرحون في تبصرته هذا الذي قاله القرافي مذهب الشافعية ، ولم أره لأحد من المالكية . ونقل شمس الدين الحنبلي الدمشقي أن مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام ابن حنبل أنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ أشهد ، بل متى قال الشاهد رأيت كذا أو سمعت كذا ونحو ذلك كانت شهادة منه ، وليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على اشتراط لفظ الشهادة ، ولا ورد ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وأطال في ذلك ومن تصفح نصوص المالكية علم بطلان حصر القرافي الشهادة في لفظ أشهد ، والله الموفق .

ولا بد من كون التزكية ( من ) شخص ( فطن ) بفتح الفاء وكسر الطاء المهملة ، أي [ ص: 407 ] ذي فطانة ونباهة لا يخدع ( عارف ) صفات العدول وأضدادها وأحوال الناس بمخالطته لهم فلا يغتر بظواهرهم ، إذ كم من ظاهر مموه على باطن مشوه ( لا يخدع ) بضم التحتية . البساطي هذا تفسير الفطن يزيده أيضا ( معتمد ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية في معرفة حال مزكاه ( على طول عشرة ) بكسر فسكون ، أي خلطة مع مزكاه وأشعر تذكيره الأوصاف بأن النساء لا يزكين رجالا ولا نساء وهو كذلك ( لا ) معتمد على ( سماع ) من محصورين . وأما السماع الفاشي من العدول وغيرهم فيعتمد عليه المزكي كما سيأتي أن بينة السماع يثبت بها التعديل . البناني لما عارض هذا ما يأتي من قبول شهادة السماع في التعديل فرقوا بينهما بتخصيص هذا بالسماع من معين فلا يقبل من المعدلين والمجرحين أن يقولوا سمعنا فلانا وفلانا يشهدان أن فلانا عدل رضى أو غير عدل نقله العوفي عن سحنون ، قال إلا أن يكون المشهود على شهادته أشهدهم على التزكية أو التجريح

ووفق الشيخ أحمد بتوفيق آخر فحمل ما هنا على شهادته بالقطع معتمدا على سماع فاشيا كان أم لا ، وما يأتي على الشهادة بالسماع وجمع بعضهم بين التوفيقين . ابن عاشر إذا كفى في التعديل السماع الفاشي ضاعت هذه القيود ، أي معتمدا على طول عشرة إلخ ، ولا بد من كون المزكي ( من ) أهل سوقه أي المزكى بالفتح ( أو ) أهل ( محلته ) بفتح الميم وكسر الحاء المهملة وشد اللام ، أي محل حلول وسكنى المزكى بالفتح ; لأنهم أدرى بأحواله . " غ " ليس الجار متعلقا بسماع ، وإنما هو من صفات تزكية بحذف مضاف ، أي من أهل سوقه أو محلته ، وكأنه قال وتزكية حاصلة من معروف ومن فطن ومن أهل سوقه أو محلته ، وأشار به لقول اللخمي يقبل تعديله من جيرانه وأهل سوقه ومحلته لا من غيرهم ; لأن وقوفهم عن تعديله مع كونهم أقعد به ريبة في تعديله ( إلا لتعذر ) لتزكيته من أهل سوقه أو محلته لعدم تبريزهم فيقبل تعديله من غيرهم . [ ص: 408 ] اللخمي فإن لم يكن فيهم عدل قبل من سائر بلده ، وقال المتيطي ولا يزكى الشاهد إلا أهل مسجده وسوقه وجيرانه إلا أن يكون مشهورا بالعدالة ، رواه أشهب عن مالك رضي الله تعالى عنهما ، وبه قال مطرف وابن الماجشون . ابن عبد الحكم وأصبغ أو يكون من قوم مبرزين بالعدالة ، وفي التوضيح إلا أن يكون معدلوه أهل برازة في العدالة والفضل .

وفي بعض النسخ إلا المبرز بدل قوله إلا لتعذر كأنه إشارة إلى قولهم إلا أن يكون مشهورا بالعدالة ، أو قولهم إلا أن يكون معدلوه أهل برازة .




الخدمات العلمية