الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 97 ] وبدئ بمسافر وله عارية آلة ، ثم حاضر ، ثم دابة ربها بجميع الري ، [ ص: 98 ] وإلا بنفس المجهود

التالي السابق


( و ) إذا اجتمع على فضل ماء بئر الماشية بصحراء عن سقي أهله وري جميعهم مستحقون ، وهو يكفيهم ( بدئ ) بضم فكسر ( ب ) سقي ذات ( مسافر ) على سقي حاضر ، أي مقيم ببلد الماء ( وله ) أي المسافر على الحاضر ، سواء كان صاحب الماء أو غيره ( عارية ) أي إعارة ( آلة ) للماء كحبل ودلو وحوض يستعين بها على إخراج الماء من البئر والانتفاع به . ابن عرفة لابن السبيل عارية الدلو والرشاء والحوض إن لم تكن له أداة يعينه بها ويخلى بينه وبين الركية فيسقي . ابن عبد السلام ظاهر إطلاقات أهل المذهب وجوب عارية الآلة للمليء والفقير ، ولعله ; لأن مالكها لم يتخذها للكراء . ابن عرفة مقتضاه لو اتخذها مالكها للكراء فلا تجب عليه عاريتها للمسافر ، ومقتضى الرواية خلافه ; لأنه ظاهر تعليل وجوب عاريتها باضطرار المسافر بمحل هو مظنة عدم اتخاذ الآلة للكراء ، فلا ينتقض ذلك بندور اتخاذها له فيه حسب ما تقرر في التعليل بالمظنة .

( ثم ) يبدأ بدءا إضافيا أيضا بشخص ( حاضر ) أي مقيم في بلد الماء غير صاحبه ( ثم ) يبدأ بسقي ( دابة ربها ) أي البئر التي هو راكبها ثم دابة المسافر ثم دابة الحاضر ثم ماشية ربها ثم ماشية الحاضر وكل من قدم ( ف ) يقدم ( بجميع الري ) بفتح الراء وكسرها مصدر روي بكسر الواو له . ابن رشد وجه التبدئة في الشرب من ماء بئر الماشية إذا اجتمع أهل البئر والمارة وسائر الناس إذا كان الماء يقوم بالجميع أن يبدأ أولا بأهل الماء ، فيأخذوا لأنفسهم حتى يرووا ، ثم المارة حتى يرووا ، ثم سائر الناس حتى يرووا ، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا ، ثم دواب المسافرين حتى يرووا ، ثم دواب سائر الناس حتى يرووا ، ثم مواشي أهل الماء حتى يرووا ، ثم مواشي المسافر حتى يرووا ، ثم الفضل لسائر مواشي الناس .

الخرشي ثم مواشي ربه ، ثم مواشي المسافر ، ثم مواشي الحاضر ، ولم يصرح المصنف [ ص: 98 ] بالمسافر والحاضر اكتفاء بما ذكر في أربابها وسكوته فيها عن ماشية المسافر ، اعتذروا عنه بأن الغالب أن المسافر لا ماشية له ، وأخرت مواشي المسافر عن دابته لعله ; لأن الدابة لا تذكى إذا خيف موتها بخلاف الماشية . العدوي فيه أنه قدمت دابة المسافر على دابة غيره لاستعجاله فيفيد أن ماشيته تكون مع دابته ولا تؤخر عنها كما هو الوجه ، فما قاله الخرشي تبعا لغيره من تأخير مواشي المسافر عن دابته ، وأنها بعد ماشية أهل الماء فيه نظر .

( وإلا ) أي وإن لم يكن الماء كافيا لجميع الحاضرين عنده ( ف ) يبدأ ( بنفس ) الشخص ( المجهود ) أي الذي اشتد عطشه وخيف هلاكه آدميا كان أو غيره " غ " راجع لفضل ماء بئر ماشية ، أي وإن لم يكن فضل بدئ بنفس المجهود ، ويحتمل أن يكون راجعا لقوله فيجمع الري أي وإن لم يكن في الفضل ري الجميع . ابن رشد في المقدمات فأما إن لم يكن في الماء فضل وتبدئة أحدهم تجهد الآخرين فإنه يبدأ بأنفسهم ودوابهم من كان الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه ، فإن استووا في الجهد تواسوا . هذا مذهب أشهب .

وذهب ابن لبابة أنهم إذا تساووا في الجهد فأهل الماء أحق بالتبدئة لأنفسهم ودوابهم ، وأما إن قل الماء وخيف على بعضهم بتبدئة بعض الهلاك فإنه يبدأ أهل الماء فيأخذون لأنفسهم بقدر ما يذهب عنهم الخوف ، فإن فضل فضل أخذ المسافر لنفسه بقدر ما يذهب الخوف عنه ، فإن فضل فضل أخذ أهل الماء لدوابهم بقدر ما يذهب عنها الخوف ، فإن فضل فضل أخذ المسافر لدوابه بقدر ما يذهب الخوف عنها ، ولا اختلاف عندي في هذا الوجه .

طفي الاحتمالان راجعان لشيء واحد إلا أن الثاني أمس بكلام المصنف ; لأنه فرض الكلام في الفضل عن أهل البئر ، ولذا قال وبدئ بمسافر ، والأئمة فرضوا الكلام فيمن يقدم في الماء ابتداء ، ثم رتبوا عليه إذا لم يكن فيه كفاية . ابن عرفة ما حفر في الفيافي والطرق من المواجل كمواجل طرق المغرب . كره مالك " رضي الله عنه " بيع مائها ولم يره حراما بينا ، وهي مثل آبار الماشية في المهامه ، وكره بيع أصل بئر الماشية أو مائها أو فضلها [ ص: 99 ] حفرت في جاهلية أو إسلام قربت من العمران أو بعدت ، وأهلها أحق بمائها حتى يرووا وما فضل بين الناس بالسواء إلا من مر بهم لسقيهم ودوابهم فلا يمنعون ولما ذكر الباجي قولها في المواجل ، قال وروى ابن نافع في جباب البادية التي للماشية نحوه ، قيل له فالجباب التي تجعل لماء السماء ، قال : ذلك أبعد ، وقال المغيرة : له منع ذلك وليس كالبئر ، وروى ابن القاسم في المجموعة : لا تورث بئر الماشية ولا توهب ولا تباع وإن احتاج . أراد لا تورث على معنى الملك ولا حظ فيها لزوجة ولا زوج قاله ابن الماجشون .

ابن حبيب قال جميع أصحابنا ورووا : حافرها وورثته أحق بحاجتهم من مائها . ابن الماجشون لا إرث في بئر الماشية بمعنى الملك ، ومن استغنى منهم عن حقه فليس له أن يعطيه أحدا ، وسائر أهل البئر أولى منه ، وممن غاب وسئل أشهب عن الوصية فقال قال مالك " رضي الله عنه " لا تباع ولا تورث بمعنى لا تنفذ فيها الوصية وظاهر المدونة أن المنع من بيعها على الكراهة ، وفي الجعل والإجارة لا أرى بيعها حراما . وظاهر المجموعة خلاف ذلك ، لقول مالك فيها لا يجوز بيع بئر الماشية ، وهو قول القاضي ، وعلله أشهب بأن ما يشتريه مجهول ; لأنه إنما يشتري من مائها ما يرويه ، وهو مجهود ، ولو كان لذلك لجاز أن تورث أو توهب ; لأن الجهالة لا تمنعهما . وقال ابن القاسم لا تباع ; لأن للناس فيها منافع .

الباجي وعندي أن الكراهة إذا حفره على معنى انفراده به ، وإن حفره بحكم الإباحة لفضله وجب حمله على التحريم ، وحكم التبدئة فيه . قال ابن الماجشون إن كانت لهم سنة بتقدم المال الكثير أو قوم على قوم أو كبير على صغير خلوا عليها وإلا استهموا . وروى ابن وهب لا يمنع ابن السبيل من ماء بئر الماشية ، وكان يكتب على من احتفر بئرا : إن أول من يشرب منها ابن السبيل . ابن القاسم لا يمنع منها ابن السبيل بعد ري أهلها ، فإن منعوه فلا يكون عليه دية جراحهم لحديث { لا يمنع نفع بئر } ، ولو منعوا المسافرين حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل المانعين وعلى كل رجل كفارة عن كل نفس مع وجيع الأدب ولأشهب في المجموعة لابن السبيل أن يشرب ويسقي دوابه من فضل الآبار [ ص: 100 ] و المواجل ، إلا أن لا يكون فضل ، واضطرت دوابهم إليه ومسافة ماء آخر بعيدة فيكون ذلك أسوة بينهم إلا أن يكون لأهل تلك المياه غوث أقرب من غوث السفر ، فيكون السفر أولى به في أنفسهم ودوابهم .

وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه في الآبار بين مكة والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ابن السبيل أول من يشرب بها ، وهو حسن لاضطراره إليه ويتزود منه ، وليس لأهل القرية مثل تلك الضرورة لقرب غوثهم وجمام بئرهم ، وسمع القرينان ، لا تباع مياه المواشي إنما يشرب بها أهلها ويشرب بها أبناء السبيل ، ولا تمنع من أحد ولا يصلح فيها عطاء .

ابن رشد مياه المواشي هي الآبار والمواجل والجباب يصنعها الرجل في البراري للماشية هو أحق بما يحتاج ويدع الفضل للناس ، وليس مراده في السماع تساوي أهل الماء وغيرهم فيه إنما أراد أنه يشرب أهلها ثم يشرب ابن السبيل قالوا وفيه للترتيب لا للتشريك فإن تشاح أهل البئر في التبدئة بدئ الأقرب إلى حافرها ، فالأقرب قلت ماشيته أو كثرت فإن استووا في القرب إليه استهموا هذا عندي إن استوى فعددهم من حافرها والأقدم الأقرب إليه ، فالأقرب . وقال اللخمي أرى أن يقسم بينهم ، فإن كانت غنم أحدهما مائة وغنم الآخر مائتين والماء إنما يكفي مائة قسم بينهما نصفين ، وكذا في الزرع ، ثم قال ابن عرفة في البيان إذا اجتمع أهل الماء والمارة والماء يكفيهم بدئ بأنفس أهل الماء ثم أنفس المارة ثم دوابهما ثم مواشي أهل الماء ثم مواشي الناس ، وبدأ أشهب بدواب المسافر من قبل دواب أهل الماء وإن لم يكف جميعهم وتبدئة أحدهم تجهد الآخرين بدئ من الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه ، فإن استووا في الجهد فقيل يتساوون فيه ، وقيل يبدأ أهل الماء لأنفسهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم ، فإن فضل فضل أخذ المسافرون لأنفسهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم ، فإن فضل فضل أخذ أهل الماء لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم ، فإن فضل فضل أخذ المسافرون لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم ، ولا خلاف في هذا الوجه والبئر والماجل والجب عند الإمام مالك " رضي الله عنه " سواء .




الخدمات العلمية