الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4997 كتاب ذكر الأنبياء، وفضلهم.صلى الله عليهم وسلم

                                                                                                                              باب في ابتداء خلق آدم، عليه السلام

                                                                                                                              وقال النووي: ( باب صفة القيامة والجنة والنار).

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 133، 134 جـ 17، المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ].

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أبي هريرة) رضي الله عنه؛ قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت. وخلق فيها الجبال يوم الأحد. وخلق الشجر يوم الاثنين. وخلق المكروه يوم [ ص: 171 ] الثلاثاء) هكذا هو في مسلم. وروي في غيره: "وخلق التقن يوم الثلاثاء".

                                                                                                                              قال النووي: كذا رواه ثابت بن قاسم. يعني المكروه، وهو ما يقوم به المعاش، ويصلح به التدبير كالحديد وغيره، من جواهر الأرض، وكل شيء يقوم به صلاح شيء: فهو "تقنه" ومنه: إتقان الشيء، وهو إحكامه. قلت: ولا منافاة بين الروايتين، فكلاهما: خلق يوم الثلاثاء. وقال "في مجمع البحار": أراد بالمكروه: الشر. وسمي "الشر" مكروها: لأنه ضد المحبوب. انتهى.

                                                                                                                              [ ص: 172 ] (وخلق النور يوم الأربعاء). كذا هو في صحيح مسلم "النور" بالراء. ورواه ثابت بن قاسم: "النون" بالنون في آخره. قال عياض: وكذا رواه بعض رواة صحيح مسلم. "وهو الحوت". ولا منافاة أيضا، فكلاهما خلق يوم الأربعاء، بفتح الهمزة وكسر الباء، وفتحها، وضمها، ثلاث لغات، حكاهن صاحب المحكم. وجمعه: "أربعاوات). وحكي أيضا "أرابيع".

                                                                                                                              (وبث فيها الدواب يوم الخميس. وخلق آدم) عليه السلام) (بعد العصر، من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل). وفي هذا بيان ابتداء خلق آدم أبي البشر، عليه السلام. وهو موضع الترجمة من الباب.

                                                                                                                              وأخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا. ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه: "ورحمة الله". فكل من يدخل الجنة: على صورة آدم. فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن". يعني: انتهى التناقص إلى هذه الأمة. فإذا دخلوا الجنة. عادوا إلى ما كان عليه آدم عليه السلام: من الحسن، والجمال، وطول القامة. ولا يدخلها على صورته: من السواد، أو بوصف من العاهات.

                                                                                                                              [ ص: 173 ] قال الشيخ تاج الدين التدمري، في كتاب "مثير الغرام، في زيارة القدس والخليل عليه السلام"، مما نقله عن "ابن قتيبة" في المعارف: أن آدم عليه السلام، كان أمرد. وإنما نبتت اللحية لولده بعده. وكان طويلا، كثير الشعر، جعدا، أجمل البرية. انتهى.

                                                                                                                              وفي حديث أبي هريرة يرفعه: عند البزار، والترمذي، والنسائي: وأن الله خلق آدم من تراب فجعله طينا، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا: خلقه وصوره. ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار: كان إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم. ثم نفخ الله فيه من روحه، فكان أول ما جرى فيه الروح: بصره، وخياشيمه: فعطس، فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربك. الحديث.

                                                                                                                              وفي حديث أبي موسى، مما أخرجه: أبو داود، وصححه ابن حبان مرفوعا: "أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض".

                                                                                                                              ففي هذا: أن الله تعالى، لما أراد إبراز آدم من العدم إلى الوجود: قلبه في ستة أطوار؛ طور التراب، وطور الطين اللازب، وطور الحمأ، [ ص: 174 ] وطور الصلصال، وطور التسوية. وهو جعل "الخزفة" التي هي الصلصال: عظما، ولحما، ودما. ثم نفخ فيه الروح.

                                                                                                                              قال أهل العلم: قد خلق الله تعالى الإنسان على أربعة أضرب: 1- إنسان من غير أب ولا أم، "وهو آدم أبو البشر" عليه الصلاة والسلام، أول الأنبياء، وأبوهم.

                                                                                                                              2 - إنسان من أب لا غير، "وهو حواء". 3- وإنسان من أم لا غير، "وهو عيسى عليه السلام".

                                                                                                                              4- وإنسان من أب وأم، "وهو الذي خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب". يعني: من صلب الأب، وترائب الأم؛ وهذا الضرب: يتم بعد ستة أطوار أيضا: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم كسوة العظام لحما، ثم نفخ الروح فيه.

                                                                                                                              وقد شرف الله هذا الإنسان على سائر المخلوقات: فهو صفوة العالم، وخلاصة الخلق، وثمرة الكائنات، ونخبة الموجودات. قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر . وقال: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه . وقال: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .

                                                                                                                              ولا ريب: أن من خلقت لأجله وسببه: جميع المخلوقات؛ علويها وسفليها: خليق بأن يرفل في ثياب الفخر، على من عداه، وتمتد إلى [ ص: 175 ] اقتطاف زهرات النجوم، ونيرات الأفلاك: يداه. وقد خلقه الله تعالى: واسطة بين شريف، "وهو الملائكة". ووضيع، "وهو الحيوان". ولذلك: كان فيه قوى العالمين، وأهل لسكنى الدارين. فهو كالحيوان في الشهوة، وكالملائكة: في العلم، والعقل، والعبادة. وخصه برتبة النبوة. واقتضت الحكمة: أن تكون شجرة النبوة صنفا مفردا، أو نوعا واقعا بين الإنسان والملك. ومشاركا لكل واحد منهما: على وجه، فإنه كالملائكة: في الاطلاع على ملكوت السموات والأرض، وكالبشر: في أحوال المطعم والمشرب. وإذا طهر الإنسان من نجاسته النفسية، وقاذوراته البدنية، وجعل في جوار الله: كان حينئذ أفضل من الملائكة. قال تعالى: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب .

                                                                                                                              وفي الحديث: "الملائكة خدم أهل الجنة". قال ابن كثير: واختلف: هل ولد لآدم في الجنة؟ فقيل: لا. وقيل: ولد له فيها "قابيل، وأخته". قال: وذكروا: أنه كان يولد له في كل بطن: "ذكر وأنثى".

                                                                                                                              وفي تاريخ ابن جرير: أن "حواء" ولدت لآدم: أربعين ولدا، في عشرين بطنا. وقيل: مائة وعشرين بطنا، في كل بطن: ذكر وأنثى؛ [ ص: 176 ] أولهم: "قابيل وأخته إقليما". وآخرهم: "عبد المغيث"، وأخته "أمة المغيث.

                                                                                                                              وقيل: إنه لم يمت، حتى رأى من ذريته، من ولده وولد ولده: أربعمائة ألف نسمة. فالله أعلم.

                                                                                                                              وذكر السدي عن ابن عباس، وغيره: أنه كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وأن هابيل أراد أن يتزوج أخت "قابيل"، فأبى. فأمرهما آدم: أن قربا قربانا، فنزلت نار: فأكلت قربان "هابيل"، وتركت قربان "قابيل"، فغضب وقال: "لأقتلنك"، حتى لا تتزوج أختي. فقال: "إنما يتقبل الله من المتقين". فضربه فقتله.

                                                                                                                              وكانت مدة حياة آدم: "ألف سنة". وعن عطاء الخراساني: أنه لما مات آدم: بكت الخلائق عليه سبعة أيام. هذا كلام القسطلاني. والصحيح من هذا الباب: ما صح مرفوعا إلى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أو قص الله تعالى علينا في كتابه العزيز العظيم، وتنزيله الكريم، وسفره الفخيم.

                                                                                                                              وأما ما جاء عن الإسرائيلات، وأصحاب التواريخ: فلا نصدقه ولا نكذبه. ونكل صحته وسقمه: إلى الله "عز وجل". ولسنا مكلفين بالخوض على وجه التعمق والتشدد والتفصيل في هذه الأمور. بل يكفينا الإجمال الذي جاء به الكتاب العزيز، والسنة المطهرة.

                                                                                                                              [ ص: 177 ] وعلى الجملة: ففي حديث الباب هذا: ذكر الأسبوع، وذكر خلق كل شيء خلقه الله تعالى في يوم من أيامه، وأن آدم كان خلقه بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعاتها، التي هي ساعة الإجابة: على ما وردت به الأحاديث الصحيحة. والله أعلم.




                                                                                                                              الخدمات العلمية