الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4321 باب: في صفة لحية النبي صلى الله عليه وآله وسلم

                                                                                                                              وقال النووي: ( باب شيبه، صلى الله عليه وآله وسلم).

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 96 جـ 15، المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن أنس بن مالك قال يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته قال: ولم يختضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ ].

                                                                                                                              [ ص: 83 ]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              [ ص: 83 ] (الشرح)

                                                                                                                              (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه؛ (قال: كان يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء: من رأسه، ولحيته). هذا متفق عليه. قالت الشافعية، وأصحاب مالك: يكره، ولا يحرم.

                                                                                                                              (قال: ولم يخضب رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: إنما كان البياض في عنفقته).

                                                                                                                              قال في الفتح: "العنفقة": ما بين الذقن والشفة السفلى. سواء كان عليها شعر، أم لا. ويطلق على الشعر أيضا.

                                                                                                                              (وفي الصدغين). "الصدغ": بضم المهملة، وإسكان الدال: ما بين الأذن والعين. ويقال ذلك أيضا: للشعر المتدلي من الرأس، في ذلك المكان.

                                                                                                                              (وفي الرأس: نبذ). ضبطوه بوجهين؛ أحدهما؛ ضم النون، وفتح الباء.

                                                                                                                              والثاني: فتح النون، وإسكان الباء. وبه جزم القاضي عياض.

                                                                                                                              ومعناه: شعرات متفرقة.

                                                                                                                              وعرف من مجموع ذلك: أن الذي شاب من عنفقته، أكثر مما شاب من غيرها.

                                                                                                                              ومراد أنس: أنه لم يكن في شعره، ما يحتاج إلى الخضاب. وقد

                                                                                                                              [ ص: 84 ] صرح بذلك في رواية محمد بن سيرين، عند مسلم: "قال: سألت أنس بن مالك: هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خضب؟ فقال: لم يبلغ الخضاب. فقال: كان في لحيته، شعرات بيض".

                                                                                                                              وفي رواية: "لم ير من الشيب، إلا قليلا". وفي رواية: "ما شانه الله ببيضاء".

                                                                                                                              قال عياض: اختلف العلماء؛ هل خضب النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أم لا؟ فمنعه الأكثرون: بحديث أنس. وهو مذهب مالك. وقال بعض المحدثين: خضب. لحديث أم سلمة، ولحديث ابن عمر؛ "أنه رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: يصبغ بالصفرة".

                                                                                                                              قال: وجمع بعضهم بين الأحاديث، بما أشار إليه في حديث "أم سلمة" من كلام، في قوله: "فقال: ما أدري في هذا الذي يتحدثون، إلا أن يكون شيء من الطيب، الذي كان يطيب به شعره".

                                                                                                                              لأنه صلى الله عليه وآله وسلم، يستعمل الطيب كثيرا. وهو يزيل سواد الشعر. فأشار أنس إلى أن تغيير ذلك، ليس بصبغ. وإنما هو لضعف لون سواده، بسبب الطيب.

                                                                                                                              [ ص: 85 ] قال: ويحتمل: أن تلك الشعرات تغيرت بعده، لكثرة تطييب "أم سلمة"، لها، إكراما. انتهى.

                                                                                                                              قال النووي: والمختار: أنه صلى الله عليه وآله وسلم: صبغ في وقت، وتركه في معظم الأوقات. فأخبر كل بما رأى، وهو صادق. قال: وهذا التأويل كالمتعين؛ فحديث "ابن عمر: في الصحيحين، ولا يمكن تركه، ولا تأويل له.

                                                                                                                              قال في الفتح: وأما ما رواه الحاكم، وأصحاب السنن، من حديث أبي رمثة، وفيه: "وله شعر: قد علاه الشيب، وشيبه: أحمر، مخضوب بالحناء"؛ فهو موافق لقول ابن عمر: "رأيت رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: يخضب بالصفرة". والجمع بينه وبين حديث أنس: أن يحمل نفي أنس، على غلبة الشيب، حتى يحتاج إلى خضابه. ولم يتفق أنه رآه وهو يخضب. ويحمل حديث من أثبت الخضاب: على أنه فعله، لإرادة بيان الجواز. ولم يواظب عليه.

                                                                                                                              وأما حديث عائشة: "ما شانه الله ببيضاء"؛ فمحمول على أن تلك الشعرات البيض، لم يتغير بها شيء من حسنه، صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أنكر أحمد: إنكار أنس أنه خضب. وذكر حديث ابن عمر: "أنه رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: وهو يخضب بالصفرة". وهو في الصحيح.

                                                                                                                              [ ص: 86 ] ووافق مالك أنسا، في إنكار الخضاب. وتأول ما ورد في ذلك.




                                                                                                                              الخدمات العلمية