الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
فصل

في أولياته

منها: أنه أول من أسلم، وأول من جمع القرآن، وأول من سماه مصحفا، وتقدم دليل ذلك. وأول من سمي خليفة.

أخرج أحمد، عن ابن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر، يا خليفة الله، قال: (أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض به).

ومنها: أنه أول من ولي الخلافة وأبوه حي، وأول خليفة فرض له رعيته العطاء.

أخرج البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما استخلف أبو بكر.. قال: (لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه).

وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: (لما بويع أبو بكر.. أصبح وعلى ساعده أبراد، وهو ذاهب إلى السوق، فقال عمر : أين تريد؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقال عمر : انطلق.. يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة، فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقت شيئا.. رددته وأخذت غيره، ففرضا له كل يوم نصف شاة، وما كساه في الرأس والبطن).

وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر.. جعلوا له ألفين، فقال: (زيدوني، فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة)، فزادوه خمسمائة.

[ ص: 165 ] وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: (لما احتضر أبو بكر... قال: يا عائشة، انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبح فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين، فإذا مت.. فاردديه إلى عمر، فلما مات أبو بكر.. أرسلت به إلى عمر، فقال عمر: رحمك الله يا أبا بكر، لقد أتعبت من جاء بعدك).

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال: قال أبو بكر لما احتضر لعائشة : (يا بنية، إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا دينارا ولا درهما، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت... فابعثي بهن إلى عمر).

ومنها: أنه أول من اتخذ بيت المال.

أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي حثمة وغيره: أن أبا بكر رضي الله عنه كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل، وكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة.. حوله فجعله في داره، فقدم عليه مال، فكان يقسمه على فقراء الناس، فيسوي بين الناس في القسم، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله، واشترى قطائف أتى بها من البادية ففرقها في أرامل أهل المدينة، فلما توفي أبو بكر رضي الله عنه ودفن... دعا عمر الأمناء، ودخل بهم بيت مال أبي بكر - منهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان - ففتحوا بيت المال، فلم يجدوا فيه لا دينارا ولا درهما).

قلت: وبهذا الأثر يرد قول العسكري في «الأوائل»: (إن أول من اتخذ [ ص: 166 ] بيت المال عمر، وإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بيت مال، ولا لأبي بكر - رضي الله عنه -).

وقد رددت عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل، ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر من كتابه، فقال: (إن أول من ولي بيت المال: أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر).

ومنها: قال الحاكم : (أول لقب في الإسلام: لقب أبي بكر، عتيق.

التالي السابق


الخدمات العلمية