الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
فصل

في نبذ من أخباره وقضاياه

[من سماه أمير المؤمنين رضي الله عنه

أخرج البخاري في «الأدب»، والعسكري في «الأوائل»، والطبراني في «الكبير»، والحاكم من طريق ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأي شيء كان يكتب: من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر، ثم كان عمر كتب أولا: من خليفة أبي بكر، فمن أول من كتب: من أمير المؤمنين؟

فقال: حدثتني الشفاء - وكانت من المهاجرات - : أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول الله، وعمر: من خليفة خليفة رسول الله، حتى كتب عمر إلى [ ص: 247 ] عامل العراق: أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه: لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة ودخلا المسجد، فوجدا عمرو بن العاصي، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت، فأخبره وقال: أنت الأمير، ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ).

وقال النووي في «تهذيبه» : (سماه بهذا الاسم: عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا إليه من العراق، وقيل: سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: «أنتم المؤمنون وأنا أميركم» فسمي أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها).

وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: (كان يكتب: من أبي بكر خليفة رسول الله ، فلما كان عمر بن الخطاب... أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول الله، قال عمر: هذا يطول: قالوا: لا؛ ولكنا أمرناك علينا فأنت أميرنا، قال: نعم، أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فكتب: أمير المؤمنين).

وأخرج البخاري في «تاريخه» عن ابن المسيب قال: (أول من كتب التاريخ: عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي).

وأخرج السلفي في «الطيوريات» بسند صحيح عن ابن عمر، عن عمر: أنه أراد أن يكتب السنن، فاستخار الله شهرا، فأصبح وقد عزم له، ثم قال: (إني [ ص: 248 ] ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله).

وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: (اللهم؛ إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني).

وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق، عن عمر أنه قال: (إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله؛ إن أيسرت.. استعففت، وإن افتقرت.. أكلت بالمعروف؛ فإن أيسرت.. قضيت).

وأخرج ابن سعد عن عمران: (أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج.. أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما أعسر، فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه).

وأخرج ابن سعد عن ابن للبراء بن معرور: أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: (إن أذنتم لي فيها.. أخذتها، وإلا.. فهي علي حرام) فأذنوا له.

وأخرج عن سالم بن عبد الله: (أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك).

وأخرج عن ابن عمر قال: (كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء.. تقدم إلى أهله، فقال: لا أعلم أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه.. إلا أضعفت عليه العقوبة).

وروينا من غير وجه: أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة [ ص: 249 ] وكان يفعل ذلك كثيرا؛ إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها، وهي تقول:


تطاول هذا الليل تسري كواكبه وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه     فوالله لولا الله تخشى عواقبه
لزعزع من هذا السرير جوانبه     ولكنني أخشى رقيبا موكلا
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه     مخافة ربي والحياء يصدني
وأكرم بعلي أن تنال مراكبه

فكتب إلى عماله بالغزو: (ألا يجمر أحد أكثر من أربعة أشهر).

التالي السابق


الخدمات العلمية