الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[أخذ البيعة ليزيد]

ثم حج معاوية سنة إحدى وخمسين، وأخذ البيعة لابنه، فبعث إلى ابن عمر؛ فتشهد وقال: (أما بعد: يا ابن عمر؛ إنك كنت تحدثني أنك لا تحب تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، أو تسعى في فساد ذات بينهم.

فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين ولم أكن لأفعل، إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر... فإنما أنا رجل منهم)، فقال: (يرحمك الله)، فخرج ابن عمر.

ثم أرسل إلى ابن أبي بكر، فتشهد ثم أخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه [ ص: 327 ] وقال: (إنك والله، لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله؛ لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنفرقنها عليك جذعة)، ثم وثب ومضى.

فقال معاوية: (اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن على أهل الشام؛ فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك).

ثم أرسل إلى ابن الزبير، فقال: (يا بن الزبير؛ إنما أنت ثعلب رواغ، كلما خرج من جحر.. دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين، فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما).

فقال ابن الزبير: (إن كنت قد مللت الإمارة... فاعتزلها، وهلم ابنك؛ فلنبايعه، أرأيت إذا بايعت ابنك معك... لأيكما نسمع ونطيع؟ لا نجمع البيعة لكما أبدا) ثم راح.

وصعد معاوية المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له).

فقال أهل الشام: والله؛ لا نرضى حتى يبايعوا له على رءوس الأشهاد، وإلا... ضربنا أعناقهم.

فقال: (سبحان الله!! ما أسرع الناس إلى قريش بالشر!! لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم) ثم نزل.

فقال الناس: بايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير! وهم يقولون: لا والله [ما بايعنا]، فيقول الناس: بلى! وارتحل معاوية، فلحق بالشام.

وعن ابن المنكدر قال: (قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا.. رضينا، وإن كان بلاء... صبرنا).

[ ص: 328 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية