الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 564 ] خلافة المعتمد على الله

[256 - 279 ]

أبو العباس ، - وقيل : أبو جعفر - أحمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ، ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وأمه : رومية ، اسمها : فتيان .

ولما قتل المهتدي . . . كان المعتمد محبوسا بالجوسق ، فأخرجوه وبايعوه ، ثم إنه استعمل أخاه : الموفق طلحة على المشرق ، وصير ابنه جعفرا ولي عهد ، وولاه مصر والمغرب ، ولقبه : المفوض إلى الله .

وانهمك المعتمد في اللهو واللذات ، واشتغل عن الرعية ، فكرهه الناس ، وأحبوا أخاه طلحة .

وفي أيامه : دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها ، وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا ، وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات ، وأمير عسكره في أكثرها : الموفق أخوه .

وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق ، فمات خلق لا يحصون ، ثم أعقبه هدات وزلازل ، فمات تحت الردم ألوف من الناس .

واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد : سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين ، فقتل فيها رأس الزنج لعنه الله; واسمه : بهبود ، وكان ادعى : أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة ، وأنه يطلع على المغيبات .

وذكر الصولي : (أنه قتل من المسلمين : ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي ، [ ص: 565 ] وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف ، وكان له منبر في مدينته ، يصعد عليه ، ويسب عثمان وعليا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم .

وكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة ، وكان عند الواحد من الزنج : العشرة من العلويات يطؤهن ويستخدمهن ) .

ولما قتل هذا الخبيث . . . دخل برأسه بغداد على رمح ، وعملت قباب الزينة ، وضج الناس بالدعاء للموفق ، ومدحه الشعراء ، وكان يوما مشهودا ، وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها ، وهي كثيرة; كواسط ورامهرمز .

وفي سنة ستين من أيامه : وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق ، وبلغ كر الحنطة ببغداد مائة وخمسين دينارا .

وفيها : أخذت الروم بلد لؤلؤة .

وفي سنة إحدى وستين : بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر ، ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة ، وولى ولده المغرب ، والشام ، والجزيرة ، وأرمينية ، وولى أخاه المشرق والعراق وبغداد والحجاز واليمن وفارس وأصبهان والري وخراسان وطبرستان وسجستان والسند ، وعقد لكل منهما لواءين : أبيض وأسود ، وشرط إن حدث . . . به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ ، وكتب العهد ونفذه مع قاضي القضاة ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة .

[ ص: 566 ] وفي سنة ست وستين : وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر ، ففتكوا ، وهرب أهل الجزيرة ، والموصل .

وفيها : وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها .

وفي سنة سبع وستين : استولى أحمد بن عبد الله الحجابي على خراسان وكرمان وسجستان ، وعزم على قصد العراق ، وضرب السكة باسمه ، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد ، وهذا محل الغرابة ، ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه ، فكفى الله شره .

التالي السابق


الخدمات العلمية