الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[كتاب المأمون إلى إسحاق ليختبر علماء سماهم له ]

ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق ، وأمره بإحضار من امتنع ، فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل ، وبشر بن الوليد الكندي ، وأبو حسان الزيادي ، وعلي بن أبي مقاتل ، والفضل بن غانم ، وعبيد الله بن عمر القواريري ، وعلي بن الجعد ، وسجادة ، والذيال بن الهيثم ، وقتيبة بن سعيد ، وسعدويه الواسطي ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وابن الهرش ، وابن علية الأكبر ، ومحمد بن نوح العجلي ، ويحيى بن عبد الرحمن العمري ، وأبو نصر التمار ، وأبو معمر القطيعي ، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم .

وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ، ولم يجيبوا ولم ينكروا ، فقال [ ص: 491 ] لبشر بن الوليد : ما تقول ؟ قال : قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة ، قال : وإن، فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب ، قال : أقول : كلام الله ، قال : لم أسألك عن هذا ، أمخلوق هو ؟ قال : ما أحسن غير ما قلت لك ، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه .

ثم قال لعلي بن أبي مقاتل : ما تقول ؟ قال : القرآن كلام الله ، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا ، وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك .

ثم قال لأحمد بن حنبل : ما تقول ؟ قال : كلام الله ، قال أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله ، لا أزيد على هذا ، ثم امتحن الباقين ، وكتب بجواباتهم .

وقال ابن البكاء الأكبر : أقول : القرآن مجعول ومحدث; لورود النص بذلك ، فقال له إسحاق بن إبراهيم : والمجعول مخلوق ؟ قال : نعم ، قال : فالقرآن مخلوق ؟ قال : لا أقول : مخلوق ، ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون .

فورد عليه كتاب المأمون : بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة ، وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل ، فمن لم يجب أنه مخلوق . . . فامنعه من الفتوى والرواية .

ويقول في الكتاب : فأما ما قال بشر . . . فقد كذب ، لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق ، فادع به إليك ، فإن تاب فأشهر أمره ، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده . . . فاضرب عنقه ، وابعث إلينا برأسه .

وكذلك إبراهيم بن المهدي . . . فامتحنه; فإن أجاب ، وإلا . . . فاضرب عنقه .

وأما علي بن أبي مقاتل . . . فقل له : ألست القائل لأمير المؤمنين : إنك تحلل وتحرم ؟ !

وأما الذيال . . . فأعلمه : أنه كان في الطعام الذي كان سرقه من الأنبار ما يشغله .

[ ص: 492 ] وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله : إنه لا يحسن الجواب في القرآن . . . فأعلمه : أنه صبي في عقله لا في سنه ، جاهل سيحسن الجواب إذا أدب ، ثم إن لم يفعل . . . كان السيف من وراء ذلك .

وأما أحمد بن حنبل . . . فأعلمه : أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته ، واستدل على جهله وآفته بها .

وأما الفضل بن غانم . . . فأعلمه : أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر ، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة; يعني : في ولايته القضاء .

وأما الزيادي . . . فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء دعي ، فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه ، وإنما قيل له : الزيادي لأمر من الأمور .

قال : وأما أبو نصر التمار . . . فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره .

وأما ابن نوح وابن حاتم فأعلمهم : أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد ، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم . . . لاستحل ذلك ، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا ، وصاروا للنصارى شبها ؟ !

وأما ابن شجاع . . . فأعلمه : أنك صاحبه بالأمس ، والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال الأمير علي بن هشام .

وأما سعدويه الواسطي . . . فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة .

وأما المعروف بسجادة ، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول بأن القرآن مخلوق . . . فأعلمه أن في شغله وإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد .

وأما القواريري . . . ففيما يكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات : ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته ، وسخافة عقله ودينه .

[ ص: 493 ] وأما يحيى العمري : فإن كان من ولد عمر بن الخطاب . . . فجوابه معروف .

وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم : فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه . . . لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه ، وإنه بعد صبي يحتاج إلى أن يعلم .

وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف : بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن ، فحمحم عنها ولجلج فيها ، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف ، فأقر ذميما فأنصصه عن إقراره ، فإن كان مقيما عليه . . . فأشهر ذلك وأظهره .

ومن لم يرجع عن شركه - ممن سميت بعد بشر وابن المهدي . . . فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم ، فإن لم يرجعوا . . . احملهم على السيف .

قال : فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد بن نوح والقواريري ، فأمر بهم إسحاق فقيدوا ، ثم سألهم من الغد - وهم في القيود ، فأجاب سجادة ، ثم عاودهم ثالثا ، فأجاب القواريري ، ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم .

ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين ، فغضب وأمر بإحضارهم إليه ، فحملوا إليه ، فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه ، ولطف الله وفرج .

التالي السابق


الخدمات العلمية