الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 125 ] ( ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة لم يحنث حتى يقضمها ، ولو أكل من خبزها لم يحنث عند أبي حنيفة . وقالا : إن أكل من خبزها حنث أيضا ) لأنه مفهوم منه عرفا . ولأبي حنيفة أن له حقيقة مستعملة فإنها تقلى وتغلى وتؤكل قضما وهي قاضية على المجاز المتعارف على ما هو الأصل عنده . ولو قضمها حنث عندهما هو الصحيح لعموم المجاز ، كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان . وإليه الإشارة بقوله في الخبز حنث أيضا .

التالي السابق


( قوله ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة يعني ولا نية له ) لم يحنث حتى يقضمها غير نيئة ، ولو قضمها نيئة لم يحنث ، وكذا لو أكل من خبزها أو دقيقها أو سويقها ، وهو قول الشافعي ، وقالا : إن أكل من خبزها أيضا حنث لأن الأكل من خبزها مفهوم منه عرفا ، ولأبي حنيفة أن له حقيقة مستعملة : يعني يستعمل لفظ أكل الحنطة حقيقة : أي في معناه الحقيقي وهو أن يأكل عين الحنطة فإنه معنى ثابت ، فإن الناس يغلون الحنطة ويأكلونها وهي التي تسمى في عرف بلادنا بليلة ، وتقلى : أي توضع جافة في القدر ثم تؤكل قضما ، وليس المراد حقيقة القضم بخصوصها وهو الأكل بأطراف الأسنان بل أن يأكل عينها بأطراف الأسنان أو بسطوحها ، فإذا ثبت للفظ حقيقة مستعملة فهي أولى عند أبي حنيفة من المجاز المتعارف وهو أن يراد بأكل الحنطة أكل خبزها وصار كما إذا حلف لا يأكل من هذه البقرة أو الشاة فأكل لبنها أو سمنها أو زبدها أو من هذه البيضة فأكل من فرخها لا يحنث لانعقاد اليمين على عينها إذا كان مأكولا وهما يعكسان هذا الأصل ويريان المجاز المتعارف أولى ، ورجح قولهما بأن المتكلم إنما يريد العرف .

فإذا لم يكن له نية انصرف إليه ، بخلاف مسألة البقرة والبيضة فإنه ليس للفظ مجاز أشهر ليرجح على الحقيقة . والذي يغلب أن التعارف والأكثرية لوجود المعنى وهو نفس فعل أكل خبز الحنطة لا لاستعمال لفظ أكلت اليوم الحنطة أو لا آكل حنطة فيه بل لفظ أكلت [ ص: 126 ] حنطة يحتمل أن يراد به أكل عينها كما يراد ما يخبز من دقيقها فيترجح قول أبي حنيفة لترجح الحقيقة عند مساواة المجاز ، لا يقال : أكثرية المعنى توجب أكثرية اللفظ الذي يدل به عليه .

لأنا نقول : لا يلزم ذلك إلا إذا لم يكن إلا لفظ واحد يدل به ، وليس هنا كذلك لأنه يقال أكلت خبز الحنطة ، ويقال أكلت الحنطة ، بل الآن لا يتعارف في أكل الخبز منها إلا لفظ آخر وهو أكلت الخبز ، اللهم إلا أن ينوي أكل الخبز فيحنث به لا بالقضم أو القضم فلا يحنث بأكل الخبز اتفاقا ، وقضم يقضم بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل . وقوله هو الصحيح احتراز عن رواية الأصل أنه لا يحنث عندهما إذا قضمها . وصححها في الذخيرة . ورجح شمس الأئمة وقاضي خان رواية الجامع أنه يحنث . قال المصنف : وإليه الإشارة بقوله حنث في الخبز أيضا فإنه يفيد أنه يحنث بالقضم ، ولا يلزم استعمال اللفظ حقيقة ومجازا بل يكون من عموم المجاز ، كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان يحنث بالدخول زحفا لجعله مجازا في الدخول .

ولو أكل من سويقها حنث عند محمد خلافا لأبي يوسف فيحتاج أبو يوسف إلى الفرق بين الخبز والسويق . والفرق أن الحنطة إذا ذكرت مقرونة بالأكل يراد بها الخبز دون السويق ، ومحمد اعتبر عموم المجاز ، وهذا الخلاف إذا حلف على حنطة معينة ، أما لو حلف لا يأكل حنطة ينبغي أن يكون . جوابه كجوابهما ذكره شيخ الإسلام . ولا يخفى أنه تحكم . والدليل المذكور المتفق على إيراده في جميع الكتب يعم المعينة والمنكرة وهو أن عينها مأكول .




الخدمات العلمية