الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 87 ] ( ومن حرم على نفسه شيئا مما يملكه لم يصر محرما وعليه إن استباحه كفارة يمين ) [ ص: 88 ] وقال الشافعي رحمة الله تعالى عليه : لا كفارة عليه لأن تحريم الحلال قلب المشروع فلا ينعقد به تصرف مشروع وهو اليمين . ولنا أن اللفظ ينبئ عن إثبات الحرمة ، وقد أمكن إحماله بثبوت الحرمة لغيره بإثبات موجب اليمين فيصار إليه ، [ ص: 89 ] ثم إذا فعل مما حرمه قليلا أو كثيرا حنث ووجبت الكفارة وهو المعنى من الاستباحة المذكورة لأن التحريم إذا ثبت تناول كل جزء منه .

التالي السابق


( قوله ومن حرم على نفسه شيئا مما يملكه ) كهذا الثوب علي حرام أو هذا الطعام أو هذه الجارية أو الدابة ( لم يصر محرما وعليه إن استباحه كفارة يمين ) وليس ملكه شرطا للزوم حكم اليمين فإنه جاز في نحو : كلام زيد علي [ ص: 88 ] حرام ، ولو أريد بلفظ شيئا ما هو أعم من الفعل دخل نحو : كلام زيد ولم يدخل نحو هذا الطعام علي حرام لطعام لا يملكه ، لأنه حرام عليه التصرف فيه مع أنه يصير به حالفا ، حتى لو أكله حلالا أو حراما لزمته الكفارة . والحاصل أن حرمته لا تمنع تحريمه حلفا ألا ترى إلى قولهم لو حرم الخمر على نفسه فقال الخمر علي حرام أن المختار للفتوى أنه إن أراد به التحريم : يعني الإنشاء تجب الكفارة إذا شربها كأنه حلف لا أشرب الخمر ، وإن أراد الإخبار أو لم يرد شيئا لا تجب الكفارة لأنه أمكن تصحيحه إخبارا ، والمنقول فيه خلاف بين أبي يوسف وأبي حنيفة ، عند أحدهما يحنث مطلقا ، وعند الآخر لا يحنث من غير نظر إلى نية ، ولو قال الخنزير علي حرام فليس بيمين إلا أن يقول إن أكلته .

وقيل هو قياس الخمر وهو الوجه . واعلم أن الظاهر من تحريم هذه الأعيان انصراف اليمين إلى الفعل المقصود منها كما في تحريم الشرع لها في نحو { حرمت عليكم أمهاتكم } وحرمت الخمر والخنزير أنه ينصرف إلى النكاح والشرب والأكل ، ولذا قال في الخلاصة : لو قال هذا الثوب علي حرام فلبسه حنث إلا أن ينوي غيره ، وإن قال إن أكلت هذا الطعام فهو علي حرام فأكله لا يحنث ، وذكر في المنتقى : لو قال كل طعام آكله في منزلك فهو علي حرام ففي القياس لا يحنث إذا أكله ، هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف ، وفي الاستحسان : يحنث ، والناس يريدون بهذا أن أكله حرام انتهى .

وعلى هذا فيجب في التي قبلها وهو قوله إن أكلت هذا فهو علي حرام أن يحنث إذا أكله ، وكذا ما ذكر في الحيل إن أكلت طعاما عندك أبدا فهو حرام فأكله لم يحنث ينبغي أن يكون جواب القياس . ولو قال لقوم كلامكم علي حرام أيهم كلم حنث . وفي مجموع النوازل : وكذا كلام فلان وفلان علي حرام يحنث بكلام أحدهما ، وكذا كلام أهل بغداد ، وكذا أكل هذا الرغيف علي حرام يحنث بأكل لقمة ، بخلاف ما لو قال والله لا أكلمهم لا يحنث حتى يكلمهم . وفي الخلاصة : لو قال هذا الرغيف علي حرام حنث بأكل لقمة .

وفي فتاوى قاضي خان : قال مشايخنا رحمهم الله : الصحيح أنه لا يكون حانثا لأن قوله هذا الرغيف علي حرام بمنزلة قوله والله لا آكل هذا الرغيف ، ولو قال هكذا لا يحنث بأكل البعض وإن قالت لزوجها أنت علي حرام أو حرمتك يكون يمينا ، فلو جامعها طائعة أو مكرهة تحنث ، بخلاف ما لو حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل لا يحنث ، ولو قال لدراهم في يده هذه الدراهم علي حرام إن اشترى بها حنث ، وإن تصدق بها أو وهبها لم يحنث بحكم العرف ( قوله وقال الشافعي رحمه الله : لا كفارة عليه ) يعني إلا في الجواري والنساء ، وبه قال [ ص: 89 ] مالك ، لأن تحريم الحلال قلب المشروع فلا ينعقد به تصرف مشروع وهو اليمين ، إلا أن الشرع ورد به في الجواري ، والنساء في معناها فيقتصر على مورده ، والاستدلال بعد هذا بقوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى قوله { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } فبين سبحانه أنه صلى الله عليه وسلم حرم شيئا مما هو حلال ، وأنه فرض له تحلته فعبر عن ذلك بقوله { تحلة أيمانكم } وعلم أنه سبحانه جعل تحريم ما أحل الله له يمينا فيها الكفارة غير مفيد لأن الكلام الآن في تخصيصه بمورده أو تعميمه .

أجيب بأن العبرة لعموم اللفظ وهو قوله { ما أحل الله لك } وقد يدفع بأن المراد به خصوص ما وقع تحريمه : أي لم حرمت ما كان حلالا لك ، ولذا قال { تبتغي مرضاة أزواجك } وابتغاء مرضاتهن لا يتعلق بعموم تحريم المباحات بل ببعض يسير ، بل الجواب أنه كما ورد أنها أنزلت في تحريم مارية ورد أنها أنزلت في تحريم العسل . في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها { كان صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة على أن أيتنا إن دخل عليها فلتقل إني أجد منك ريح مغافير فدخل على إحدانا فقالت له ذلك فقال : لا ، بل شربت عسلا عند زينب ولن أعود إليه فنزلت { يا أيها النبي لم تحرم } } وهذا أولى بالاعتبار لأن راويه صاحبة القصة وفيه زيادة الصحة وحينئذ لا مانع من كون نزولها في الأمرين جميعا وقوله تعالى { تبتغي مرضاة أزواجك } وإن كان ظاهرا في أنها في تحريم مارية لأن مرضاتهن كان في ذلك لا في ترك العسل فلا شك أنه أيضا في ترك شربه عند الضرة .

فإن قيل : إنه روي { أنه قال والله لا أذوقه } فلذلك سمي تحريما ولزمت التحلة أجيب بأنه لم يذكر في الآية ولا في الحديث الصحيح فلا يجوز أن يحكم به ويقيد به حكم النص .

واعلم أن الذي في الحديث الصحيح هو قوله { ولن أعود إليه } ولا شك أن هذا ليس بيمين موجب للكفارة عند أحد فحيث ذكر الله تعالى ما يفيد أن الواقع منه كان يمينا وجب الحكم بأنه كان منه صلى الله عليه وسلم مع ذلك القول قول آخر لم يرو في تلك الرواية ثبت به اليمين فجاز كونه قوله والله لا أذوقه وجاز كونه لفظ التحريم ، إلا أن لفظ حرم على نفسه ظاهر في إرادة قال حرمت كذا ونحوه ، بخلاف الحلف على تركه .

وحاصل الوجه الذي اقتصر عليه المصنف وهو أن لفظه ينبئ عن إثبات الحرمة ، وقد أمكن إعماله بإثبات حرمته : أي حرمة ذلك الشيء لغيره وهو اليمين بإثبات موجب اليمين وهو البر إذا لم يفعله والكفارة إن فعله صونا لكلامه عن الإلغاء فضلا من الله عليه فعم المعنى المذكور النساء وغيرهن ( قوله ثم إذا فعل مما حرمه قليلا أو كثيرا ووجبت الكفارة وهو المعنى من الاستباحة المذكورة ) في قوله وعليه إن استباحه كفارة يمين ، وبه عرف أن مراده بقوله لم يصر محرما عليه المحرم لنفسه وإلا لم يصح قوله استباحه ، وإنما يحنث بالقليل والكثير ( لأن التحريم إذا ثبت تناول كل جزء منه ) فبتناول جزء يلزمه الحنث ، وهذا بخلاف ما تقدم [ ص: 90 ] من قوله والله لا أكلمهم وهذا الرغيف علي حرام على ما نقل قاضي خان عن المشايخ .




الخدمات العلمية