الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا ما وجدوه من الطعام ) قال رضي الله عنه : أرسل ولم يقيده بالحاجة ، وقد شرطها في رواية ولم يشترطها في أخرى . وجه الأولى أنه مشترك بين الغانمين فلا يباح الانتفاع به إلا لحاجة كما في الثياب والدواب . وجه الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام { في طعام خيبر كلوها واعلفوها ولا تحملوها } ولأن الحكم يدار على دليل الحاجة وهو كونه في دار الحرب ، لأن الغازي لا يستصحب قوت نفسه وعلف ظهره مدة مقامه فيها والميرة منقطعة ، فبقي على أصل الإباحة للحاجة بخلاف السلاح لأنه يستصحبه فانعدم دليل الحاجة ، وقد تمس إليه الحاجة فتعتبر حقيقتها فيستعمله ثم يرده في المغنم إذا استغنى عنه ، والدابة مثل السلاح ، والطعام كالخبز واللحم وما يستعمل فيه كالسمن والزيت .

قال ( ويستعملوا الحطب ) وفي بعض النسخ : الطيب ، [ ص: 485 ] ( ويدهنوا بالدهن ويوقحوا به الدابة ) لمساس الحاجة إلى جميع ذلك ( ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح ، كل ذلك بلا قسمة ) وتأويله إذا احتاج إليه بأن لم يكن له سلاح وقد بيناه ( ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئا ولا يتمولونه ) لأن البيع يترتب على الملك ولا ملك على ما قدمناه ، وإنما هو إباحة وصار كالمباح له الطعام ، وقوله ولا يتمولونه إشارة إلى أنهم لا يبيعونه بالذهب والفضة والعروض لأنه لا ضرورة إلى ذلك ، فإن باعه أحدهم رد الثمن إلى الغنيمة ; لأنه بدل عين كانت للجماعة .

وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة للاشتراك ، إلا أنه يقسم الإمام بينهم في دار الحرب إذا احتاجوا إلى الثياب والدواب والمتاع ; لأن المحرم يستباح للضرورة فالمكروه أولى ، وهذا لأن حق المدد محتمل ، وحاجة هؤلاء متيقن بها فكان أولى بالرعاية ، ولم يذكر القسمة في السلاح ، ولا فرق في الحقيقة لأنه إذا احتاج واحد يباح له الانتفاع في الفصلين ، وإن احتاج الكل يقسم في الفصلين ، بخلاف ما إذا احتاجوا إلى السبي حيث لا يقسم لأن الحاجة إليه من فضول الحوائج .

التالي السابق


( قوله ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا ما وجدوه من الطعام ) علف الدابة علفا من باب ضرب ضربا فهي معلوفة وعليف والعلف ما اعتلفه . وحاصل ما هنا أن [ ص: 485 ] الموجود إما ما يؤكل أو لا ، وما يؤكل إما يتداوى به كالهليلج أو لا ، فالثاني ليس لهم استعماله إلا ما كان من السلاح والكراع كالفرس فيجوز بشرط الحاجة بأن مات فرسه أو انكسر سيفه .

أما إذا أراد أن يوفر سيفه وفرسه باستعمال ذلك فلا يجوز ، ولو فعل أثم ولا ضمان عليه لو تلف نحو الحطب ، بخلاف الخشب المنحوت ; لأن الاستحقاق على الشركة فلا يختص بعضهم ببعض المستحق على وجه يكون أثرا للملك فضلا عن الاستحقاق ، بخلاف حالة الضرورة فإنها سبب الرخصة فيستعمله ثم يرده إلى الغنيمة إذا انقضى الحرب ، وكذا الثوب إذا ضره البرد فيستعمله ثم يرده إذا استغنى عنه ، ولو تلف قبل الرد لا ضمان عليه ، ولو احتاج الكل إلى الثياب والسلاح قسمها حينئذ بينهم ( ولم يذكر ) محمد رحمه الله ( قسمة السلاح ولا فرق ) كما ذكر المصنف لأن الحاجة في السلاح والثياب واحد ، بخلاف السبي لا يقسم إذا احتيج إليه ; لأنه من فضول الحوائج لا من أصولها فيستصحبهم إلى دار الإسلام مشاة ، فإن لم يطيقوا ، وليس معه فضل حمولة قتل الرجال وترك النساء والصبيان ، وهل يكره من عنده فضل حمولة على الحمل : يعني بالأجر فيه روايتان تقدمتا .

وأما ما يتداوى به فليس لأحد تناوله ، وكذا الطيب والأدهان التي لا تؤكل كدهن البنفسج ; لأنه ليس في محل الحاجة بل الفضول .

وقال عليه الصلاة والسلام { ردوا الخيط والمخيط } ولا شك أنه لو تحقق بأحدهم مرض يحوجه إلى استعمالها كان له ذلك كلبس الثوب ، فالمعتبر حقيقة [ ص: 486 ] الحاجة .

وأما ما يؤكل لا للتداوي سواء كان مهيأ للأكل كاللحم المطبوخ والخبز والزبيب والعسل والسكر والفاكهة اليابسة والرطبة والبصل والشعير والتبن والأدهان المأكولة كالزيت والسمن فلهم الأكل ، والأدهان تلك الأدهان ; لأن الأدهان انتفاع في البدن كالأكل ويوقحوا الدواب بها ، وتوقيح الدابة تصليب حافرها بالدهن إذا حفي من كثرة المشي . والراء أي الترقيح خطأ ، كذا في المغرب لكن الأصح جوازه .

ونقل عن المصنف بالراء من الترقيح وهو الإصلاح قال : هكذا قرأنا على المشايخ .

وفي الجمهرة : رقح عيشه ترقيحا إذا أصلحه

وأنشد :

يترك ما رقح من عيشه يعيث فيه همج هامج

والهمج من الناس هم الذين لا نظام لهم ، فالترقيح أعم من التوقيح ، وكذا كل ما يكون غير مهيأ كالغنم والبقر فلهم ذبحها وأكلها ويردون الجلد إلى الغنيمة .

ثم شرط في السير الصغير الحاجة إلى التناول من ذلك ، وهو القياس ، ولم يشترطها في السير الكبير وهو الاستحسان ، وبه قالت الأئمة الثلاثة ، فيجوز لكل من الفقير والغني تناوله إلا التاجر والداخل لخدمة الجندي بأجر لا يحل لهم ، ولو فعلوا لا ضمان عليهم ويأخذ ما يكفيه هو ومن معه من عبيده ونسائه وصبيانهم الذين دخلوا معه . وينبغي أن يأخذ ما يكفي الداخل لخدمته كعبده لأن نفقته عليه عادة فصار الحاصل منع الداخل بنفسه دون الغازي أن يأخذ لأجله ، ولأن دليل الحاجة قائم وهو كونه في دار الحرب منقطعا عن الأسباب فيدار الحكم عليه ، بخلاف نحو الثياب والسلاح يناط بحقيقة الحاجة ، والحديث الذي ذكره المصنف من قوله عليه الصلاة والسلام { في طعام خيبر كلوها واعلفوها ولا تحملوها } رواه البيهقي .

أنبأنا علي بن محمد بن بشران أخبرنا أبو جعفر الرازي ، حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا الواقدي عن عبد الرحمن بن الفضل عن العباس بن عبد الرحمن الأشجعي عن أبي سفيان عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يوم خيبر كلوا واعلفوا ولا تحملوا } وأخرجه الواقدي في مغازيه بغير هذا السند ، وهذا الإطلاق يوافق رواية السير الكبير . وأخرج أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفى : " أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف " . وأخرج البيهقي عن هانئ بن كلثوم أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر رضي الله عنه : إنا فتحنا أرضا كثيرة الطعام والعلف فكرهت أن أتقدم لشيء من ذلك إلا بأمرك ، فكتب إليه : دع الناس يأكلون ويعلفون ، فمن باع شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس لله وسهام للمسلمين .

وهذا دليل ما ذكر في الكتاب من قوله ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئا ، ولا يتمولونه ، فإن باعوا ردوا الثمن إلى الغنيمة ; لأنه عوض عين مشتركة بين الغانمين استحقاقا




الخدمات العلمية