الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 27 ] ( وإن علق التدبير بموته على صفة مثل أن يقول إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا أو من مرض كذا فليس بمدبر ويجوز بيعه ) ; لأن السبب لم ينعقد في الحال لتردد في تلك الصفة ، بخلاف المدبر المطلق ; لأنه تعلق عتقه بمطلق الموت وهو كائن لا محالة ( فإن مات المولى على الصفة التي ذكرها عتق كما يعتق المدبر ) معناه من الثلث ; لأنه ثبت حكم التدبير في آخر جزء من أجزاء حياته ; لتحقق تلك الصفة فيه فلهذا يعتبر من الثلث . [ ص: 28 ] ومن المقيد أن يقول إن مت إلى سنة أو عشر سنين لما ذكرنا ، بخلاف ما إذا قال إلى مائة سنة ومثله لا يعيش إليه في الغالب ; لأنه كالكائن لا محالة .

التالي السابق


( قوله : وإن علق التدبير بموته على صفة ) مثل أن يقول إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا أو مرض كذا أو قتلت أو غرقت فليس بمدبر فيجوز بيعه ; لأن السببية لم تنعقد في الحال للتردد في تلك الصفة هل تقع أو لا ، بخلاف المدبر المطلق ; لأنه تعلق عتقه بمطلق الموت ، وهو كائن لا محالة . ثم إن مات المولى على الصفة التي ذكرها عتق كما يعتق المدبر يعني من الثلث ; لأنه ثبت حكم التدبير له في آخر جزء من أجزاء حياته ; لتحقق تلك الصفة فيه فإذ ذاك يصير مدبرا مطلقا لا يجوز بيعه بل لا يمكن ، فأما ما قيل آخر جزء من حياته فلم يكن مدبرا فجاز بيعه ، وإن برئ من ذلك المرض أو رجع من ذلك السفر ثم مات لم يعتق ; لأن الشرط الذي علق به قد انعدم . واستشكل بما إذا قال أنت حر قبل موتي بشهر ومضى شهر فإنه بعد مضي الشهر يعتق بمطلق موت المولى مع أنه مدبر مقيد حتى جاز للمولى بيعه .

أجيب بأنه إنما كان كذلك ; لأنه يعتق بالشهر قبل موته كما سمى فيجب اعتباره بالعتق المضاف إلى غد ، وأنه لا يثبت حقا للعبد للحال فكذا هنا . ولو قال إذا مت أو قتلت فأنت حر على قول [ ص: 28 ] زفر هو مدبر ; لأن عتقه تعلق بمطلق موته حتى يعتق إذا مات على أي وجه كان . وعلى قول أبي يوسف ليس مدبرا ; لأنه علقه بأحد الشيئين من الموت والقتل ، والقتل وإن كان موتا فالموت ليس بقتل ، وتعليقه بأحد الأمرين يمنع كونه عزيمة في أحدهما خاصة فلا يصير مدبرا حتى يجوز بيعه . وقول زفر أحسن ; لأن التعليق في المعنى بمطلق موته ; لأنه لا تردد في كون الكائن أحد الأمرين من الموت قتلا أو غير قتل فهو في المعنى مطلق الموت كيفما كان .

وروى الحسن عن أبي حنيفة : إذا قال إذا مت وغسلت فأنت حر لا يكون مدبرا ; لأنه علقه بالموت وشيء آخر بعده ، ثم إذا مات ففي القياس لا يعتق وإن غسل ما لم يعتقوه ; لأنه بنفس الموت انتقل إلى ملكهم فهو كقوله إن مت ودخلت الدار فأنت حر . وفي الاستحسان يعتق ; لأنه يغسل عقيب الموت قبل أن يتقرر ملك الوارث فهو نظير تعليقه بموت بصفة ، فإذا وجد ذلك يعتق من الثلث بخلاف دخوله الدار ; لأنه لا يتصل بالموت فيتقرر ملك الوارث فيه ، كذا في المبسوط .

( قوله : ومن المقيد ) أي ومن التدبير المقيد ( أن يقول إن مت إلى سنة أو إلى عشر سنين ) فأنت حر ، فإن مات قبل السنة أو العشر عتق مدبرا ، وإن مات المولى بعد السنة أو العشر لم يعتق ، ومقتضى الوجه كونه لو مات في رأس السنة يعتق ; لأن الغاية هنا لولاها تناول الكلام ما بعدها ; لأنه تنجيز عتقه فيصير حرا بعد السنة والعشر فتكون للإسقاط فتكون للإسقاط ومنه أنت حر قبل موتي بشهر أو بيوم فإنه مدبر مقيد حتى ملك بيعه وعند زفر مدبر مطلق . قلنا : لم يوجد تعلقه بمطلق موته لاحتمال موته قبل شهر فلم يتعلق بشرط كائن لا محالة ولو مات بعد شهر قيل يعتق من الثلث ، وقيل من جميع المال ; لأن على قول أبي حنيفة يستند العتق إلى الشهر وهو كان صحيحا فيعتق من كله وعلى قولهما يصير مدبرا بعد مضي الشهر قبل موته . ( قوله : بخلاف ما إذا قال إلى مائة سنة ومثله لا يعيش إليها في الغالب ; لأنه كالكائن لا محالة ) فيكون تدبيرا مطلقا فلا يجوز بيعه ، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة . وقال قاضي خان : على قول أصحابنا مدبر مقيد ، وكذا ذكره في الينابيع وجوامع الفقه ; لأنه لم يخرج عن التعيين ، وعلى قول الحسن ذكر ما لا يعيش إليه غالبا تأبيد معنى ، وهو كالخلاف في النكاح المؤقت لو سميا مدة لا يعيشان إليها غالبا صح النكاح عند الحسن ; لأنه تأييد معنى والمذهب أنه توقيت فلا يصح ، والمصنف كالمناقض فإنه في النكاح اعتبره توقيتا وأبطل به النكاح وهنا جعله تأبيدا موجبا للتدبير .

[ فروع ] . كاتب مدبره ثم مات وهو يخرج من ثلث ماله عتق بالتدبير وسقط عنه بدل الكتابة للاستغناء عن [ ص: 29 ] أداء المال بالعتق الحاصل عن التدبير ، فإن لم يكن له مال غيره فإنه يعتق ثلثه بالتدبير ثم لا يسقط عنه شيء من بدل الكتابة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد : سقط ثلث بدل الكتابة أيضا اعتبارا للجزء بالكل ، وقياسا على ما لو كاتبه أولا ثم دبره ثم مات ولا مال له سواه فإنه يسقط عنه ثلث بدل الكتابة لما عتق ثلثه بالتدبير ، فكذا إذا سبق التدبير الكتابة . ولا معنى لقول من يقول المستحق بالتدبير لا يرد عليه عقد الكتابة ; لأنه لو أدى جميع بدل الكتابة في حياته يعتق كله ، ولو كان المستحق بالتدبير لم ترد عليه الكتابة لما عتق بالأداء ، ولأن استحقاق المدبر ثلثه بالتدبير كاستحقاق أم الولد جميعها بالاستيلاد . ولو كاتب أم ولده صح ووجب المال فعرفنا أن هذا الاستحقاق لا يمنع ورود العقد عليه . ولهما طريقان : أحدهما أن بدل الكتابة بمقابلة ما وراء المستحق بالتدبير ; لأن موجب الكتابة ثبوت ما لم يكن ثابتا في المكاتب والبدل بمقابلته .

وعرف أن التدبير يوجب استحقاق شيء له فلا يتصور استحقاق ذلك بالكتابة فيكون البدل بمقابله ما وراء ذلك ، فهو كما لو طلق زوجته ثنتين ثم طلقها ثلاثا بألف كانت الألف كلها بإزاء الطلقة الثالثة ، ألا ترى أنه لو خرج كله من الثلث بطلت الكتابة ، فأما قبل الموت الكتابة صحيحة ; لأن الاستحقاق بالتدبير غير متقرر ; لجواز أن لا يموت المولى قبله ، وإذا ثبت أن بدل الكتابة بمقابلة ما وراء المستحق بالتدبير وشيء من ذلك لم يسلم للعبد بموت المولى لا يسقط شيء عنه ، بخلاف ما لو كاتبه أولا ; لأن بدل الكتابة هناك بمقابلة جميع الرقبة فإنه لم يكن مستحقا لشيء من رقبته عند الكتابة ، فإذا عتق بعض الرقبة بعد ذلك بالتدبير عند الموت سقط حصته من بدل الكتابة .

والطريق الآخر أن التدبير وصية برقبته له وهي عين ، والوصية بالعين لا تنفذ من مال آخر ، كما لو أوصى بعبد لإنسان ثم باعه أو قتل لا تنفذ الوصية في قيمته ولا ثمنه من مال الموصي ، وفي إسقاط بعض بدل الكتابة ذلك فامتنع ، بخلاف ما لو كاتبه أولا ثم دبره ; لأن حقه عند التدبير أحد الشيئين ، إما بدل الكتابة إن أدى ، أو مال رقبته إن عجز فيكون موصيا له بما هو حقه فلهذا ينفذ من بدل الكتابة . إذا عرف هذا فتخرج المسألة على قول أبي حنيفة فيما إذا دبره ثم كاتبه أنه يتخير بعد موت المولى إن شاء سعى في جميع بدل الكتابة بجهة عقد الكتابة ، وإن شاء سعى في ثلثي قيمته بالتدبير ; لأن عنده العتق يتجزأ وقد تلقاه جهتا حرية فيختار أيهما شاء . وعند أبي يوسف يسعى في الأقل منهما بغير خيار ; لأن العتق لا يتجزأ عنده فقد عتق كله ، والمال عليه ولا يلزمه إلا أقل المالين ، وعند محمد : يسعى في الأقل من ثلثي قيمته ومن ثلثي بدل الكتابة ; لأن ثلثها سقط عنه ولا يتخير ; لأنه عتق كله كما ذكر أبو يوسف .

ولو كاتبه ثم دبره ، فعند أبي حنيفة يتخير بين أن يسعى في ثلثي قيمته أو ثلثي بدل الكتابة ، وعندهما يسعى في أقلهما عينا . ولو كاتب مدبرته فولدت ثم ماتت يسعى الولد فيما عليها ; لأنه مولود في كتابتها فيبقى عقد الكتابة ببقائه ; لأنه جزء منها ، فإن كانا ولدين فأدى أحدهما المال كله لم يرجع على أخيه بشيء ; لأنه ما أدى عنه شيئا إنما أدى عن الأم ، فإن بدل الكتابة عليها ; ولأن كسب كل منهما لها حتى لو كانت حية كانت أحق به فكان أداء من أدى أحدهما أو كليهما أداء من مال الأم ، ومثله لو كانا عبدين مدبرين جميعا وكل كفيل عن الآخر ثم ماتا وترك أحدهما ولدا ولد له في كتابته من أمته فعليه أن يسعى في جميع الكتابة ; لأنه قائم مقام أبيه ، وإنما يسعى لتحصيل العتق لأبيه ولنفسه ، ولا يحصل العتق لأبيه إلا بأداء جميع بدل الكتابة ، فلذا كان عليه السعاية في جميع بدل الكتابة .




الخدمات العلمية