الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 134 - 136 ] ( ومن حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناء لم يحنث ) حتى يكرع منها كرعا عند أبي حنيفة وقالا : إذا شرب منها بإناء يحنث لأنه متعارف المفهوم . وله أن كلمة من للتبعيض وحقيقته في الكرع وهي مستعملة ، ولهذا يحنث بالكرع إجماعا فمنعت المصير إلى المجاز وإن كان متعارفا .

التالي السابق


( قوله ومن حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناء لم يحنث حتى يكرع منها كرعا ) أي يتناول بفمه من نفس النهر عند أبي حنيفة : يعني إذا لم تكن له نية ، أما إذا نوى بإناء حنث به إجماعا ، وقالا : إن شرب منها كيفما شرب بإناء أو بيده أو كرعا حنث لا فرق بين ذلك وبين قوله من ماء دجلة حيث يحنث بالشرب من مائها بإناء أو كرعا في دجلة أو نهر آخر يأخذ من دجلة لأن نسبة الماء إليها ثابتة في جمع هذه الصور .

وقولهما قول الشافعي وأحمد ، وجهه أنه هو المتعارف المفهوم من قولنا شربت من دجلة ، وهو وإن كان مجازا إما مجاز حذف ، أي من ماء دجلة ، أو مجاز علاقة بأن يعبر بدجلة عن مائها وهو أولى من مجاز الحذف لأكثريته بالنسبة إليه ولشهرة جري النهر مقررين له بأن علاقته المجاورة ، ثم هو أشهر من أن يراد به [ ص: 137 ] نفس الكرع فيصرف إليه فيعم الكرع وغيره ، كما لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان يحنث بالدخول كيفما كان ، بخلاف ما لو استلقى وأدخل قدميه فقط لا يحنث لأن هذا ليس دخولا واليمين انعقدت عليه . وله أن المعنى الحقيقي للكلام الكرع وهو مستعمل للعرب وأهل العرف لأن كثيرا من الرعاء وغيرهم من أهل العرف يفعلونه .

وروي عنه عليه الصلاة والسلام { أنه أتى قوما فقال : هل عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا } وإذا كان المعنى الحقيقي مستعملا كانت الحقيقة مستعملة فينعقد عليها اليمين لأن الحقيقة لما لم تهجر كانت أولى من المجاز ، ولهذا يحنث بالكرع إجماعا ، إلا أنهما يقولان حنث به باعتبار أنه من أفراد المجاز لا باعتبار إرادة الحقيقة بذلك فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا إهدار هذا القسم ، وإنما قلنا إن الكرع حقيقة اللفظ لأن من هنا لابتداء الغاية ، فالمعنى ابتداء الشرب من نفس دجلة ، وذلك إنما يكون بوضع الفم عليها نفسها ، فإذا وضع الفم على يده أو كوز ونحوه فيه ماؤها لم يصدق حقيقة اللفظ وهو وضع فمه على نفسها ، وأما ما في الهداية من أنها للتبعيض فإنما يصلح توجيها لقولهما لأن المعنى حينئذ لا أشرب بعض ماء دجلة ، إذ لو أريد حقيقة دجلة لم يكن للكلام معنى لأن نفس دجلة وهو الأرض المشقوقة نهرا ليس مما يشرب ، ولو أريد مجاز دجلة وهو ماؤها صحت للتبعيض ويصير المراد لا أشرب من ماء دجلة وهو نفس قولهما فيحنث بالكرع وغيره لأنه ماء دجلة ، وعلى هذا فيتجه قولهما بعد الوجه المشهور : وفي تقدم المجاز المتعارف ، وهو أن الكلام عند عدم قرينة إرادة المعنى الأصلي انصرف إلى المشهور منه وإن جعلت من للبيان بأن يقال وضع الفم على نفس دجلة لا يفعل وهو الحقيقة على تقدير كونها للابتداء فلزم أن يراد بلفظ دجلة ماؤها جاز أن تكون من للتبعيض .

فالمعنى : لا يشرب بعض ماء دجلة ، أو للابتداء والمعنى : لا يكون ابتداء الشرب من ماء دجلة فيحنث بشرب مائها كرعا وغيره .

وأما الاستدلال له بقوله تعالى { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه } إلى قوله { إلا من اغترف غرفة بيده } من جهة أنه يفيد أن ما باليد يخالف الشرب منه فغلط ، وهو بناء على أنه استثناء منقطع ، والاتصال أولى إذا أمكن وهو ممكن بل المعنى عليه ، فإن المراد أنهم ابتلوا بترك الشرب من النهر شرب كفاية وري ، فإن حاصل المعنى من شرب منه مطلقا قليلا أو كثيرا كافيا فليس مني إلا من شرب منه قدر كفه تحقيقا بأن اغترفها . والذي انتظم عليه رأي أصحابنا في الدرس في توجيه قول أبي حنيفة رحمه الله أن اسم الدجلة على قول الكل حقيقة في نفس النهر دون الماء .

وإرادة وضع فمه على نفس أجزائه منتف ، فالمراد ليس إلا وضعه على الماء الكائن فيها ، وحينئذ جاز كون الاسم حقيقة فيه مشتركا أو مجازا ، فإن فرض مشتركا فلا إشكال أن حقيقة اللفظ : أعني مجموع التركيب بوضع الفم في مائها حال كونه في خصوص ذلك المحل وإن فرض مجازا في هذا الماء ، فمعنى قوله للفظ حقيقة مستعملة إلخ أن التركيب حقيقة في وصل المعنى الحقيقي للا أشرب بالمعنى المجازي لدجلة وهو الماء الكائن في النهر الخالص وحينئذ جاز كون من للتبعيض ، والمعنى : لا أشرب بعض دجلة : أي الماء الخاص في المكان الخاص ، فظهر إمكان كونها [ ص: 138 ] للتبعيض مع صحة قوله للفظ : أي التركيب حقيقة مستعملة هي الشرب من نفس الماء الكائن في المكان الخاص ثم يترجح مجازه في المفرد : أعني دجلة المستعمل في مائها بقيد كونه في نفس النهر على مجازهما وهو دجلة في مائها لا بهذا القيد حتى حنث بالشرب منه بإناء ومن نهر صغير يأخذ منها بأنه مجاز أقرب إلى الحقيقة : أعني دجلة بمعنى النهر .

ونظير المسألتين ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز فصب الماء الذي فيه في كوز آخر فشرب منه لا يحنث بالإجماع . ولو قال من ماء هذا الكوز فصب في كوز آخر فشرب منه حنث بالإجماع . وكذا لو قال من هذا الحب أو من ماء هذا الحب فنقل إلى حب آخر . ولو قال من هذا الحب أو من هذا البئر قال أبو سهل الشرعي : لو كان الحب أو البئر ملآن فيمينه على الكرع عند أبي حنيفة رحمه الله لإمكان العمل بالحقيقة ، وعندهما على الاعتراف .

وينبغي أن يقال على ما هو أعم من الاعتراف ، وإن لم يكن ملآن فيمينه على الاغتراف . ولو تكلف في هذه الصورة وكرع من أسفل الحب والبئر اختلفوا ، والصحيح أنه لا يحنث لعدم العرف بالكرع في هذه الحالة .



[ فروع ]

لو قال لا أشرب من الفرات فشرب من نهر أخذ منه لم يحنث إجماعا ، أما عنده ، فلأن يمينه على الكرع ، وأما عندهما فلأنه مثل الفرات في إمساك الماء فيقطع النسبة فخرج عن عموم المجاز . أما لو قال لا أشرب من ماء الفرات فشرب من نهر أخذ منه حنث لأن يمينه على ماء منسوب إلى الفرات ، والنسبة لا تنقطع بالأنهار الصغار . ولو قال لا أشرب ماء فراتا يحنث بكل ماء عذب في أي موضع كان . ولو حلف لا يشرب من ماء المطر فجرت الدجلة بماء المطر فشرب لم يحنث . ولو شرب من ماء واد سال من المطر ولم يكن فيه ماء قبل ذلك أو من ماء مطر مستنقع حنث .

ولو حلف لا يشرب من هذا الماء فانجمد فأكله لا يحنث ، فإن ذاب فشرب حنث . قال الفقيه أبو الليث : هذا بمنزلة ما إذا حلف لا يجلس على البساط فجعله خرجا فجلس عليه لا يحنث ، فإن فتقه فصار بساطا فجلس عليه حنث . وفي فتاوى محمد بن الوليد : لا يحنث إذا شربه لانقطاعه النسبة الأولى لانتسابه إلى الجمد ، ولو كان في الحل حنث لأن النسبة لا تنقطع . ولو حلف لا يشرب من وسط دجلة فوسطه ما لم يطلق عليه اسم الشط وذلك قدر ثلث النهر أو ربعه ، والظاهر أن هذا لا يتأتى في النيل لأن الشط ينتفي قبل الربع أيضا لسعته .

ومن حلف لا يشرب نبيذا فهو المسكر من ماء العنب ولو مطبوخا لأن الصالحين يسمونه شارب خمر ، ولو نوى المسكر يحنث بكل مسكر . ولو حلف لا يشرب شرابا حنث بشرب الماء والنبيذ ، وكذا بالمسمى عندنا أقسمة وفقاعا لا يشرب الخل والسمن والزيت والعسل . وقيل لا يحنث بالماء وهو الظاهر لأن العرف في اسم الشراب لغير الماء ويحنث بشرب اللينوفر .

وقيل لا يقع على المتخذ من الحبوب . حلف لا يشرب بغير إذن فلان فأعطاه فلان ولم يأذن بلسانه . في الخلاصة ينبغي أن يحنث ، وهذا دليل الرضا وليس بإذن . ولو حلف لا يشرب خمرا فمزجها بغير جنسها كالأقسمة ونحوه يعتبر بالغالب ، وإنما تعرف الغلبة باللون والطعم فيعتبر الغالب منهما ، كذا روي عن أبي يوسف في النوادر فيما إذا حلف لا يشرب لبنا فصب عليه ماء وشربه يحنث إن كان اللون لون اللبن ويوجد طعمه ، وإن كان لون الماء لا يحنث . وعن محمد تعتبر الغلبة من حيث القلة والكثرة بالأجزاء ، وإن كان سواه حنث استحسانا .

وأما إذا خلطه بجنسه بأن حلف على لبن بقرة فخلطه بلبن بقرة أخرى ; فعند أبي يوسف هو كالجنسين يعتبر الغالب ، وعند محمد يحنث بكل حال لأن الجنس عنده لا يغلب الجنس بل يتكثر بجنسه ، وهذا الخلاف فيما يمتزج بالمزج ، [ ص: 139 ] أما فيما لا يمتزج كالدهن يحنث بالاتفاق إذا عقد يمينه على الدهن .




الخدمات العلمية