الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن استولد أمة غيره بنكاح ثم ملكها صارت أم ولد له ) وقال الشافعي رحمه الله : لا تصير أم ولد له ، [ ص: 45 ] ولو استولدها بملك يمين ثم استحقت ثم ملكها تصير أم ولد له عندنا ، وله فيه قولان وهو ولد المغرور . له أنها علقت برقيق فلا تكون أم ولد له كما إذا علقت من الزنا ثم ملكها الزاني ، وهذا ; لأن أمومية الولد باعتبار علوق الولد حرا ; لأنه جزء الأم في تلك الحالة والجزء لا يخالف الكل .

ولنا أن السبب هو الجزئية على ما ذكرنا من قبل ، والجزئية إنما تثبت بينهما بنسبة الولد الواحد إلى كل واحد منهما كملا وقد ثبت النسب [ ص: 46 ] فتثبت الجزئية بهذه الواسطة ، بخلاف الزنا ; لأنه لا نسب فيه للولد إلى الزاني ، وإنما يعتق على الزاني إذا ملكه ; لأنه جزؤه حقيقة بغير واسطة . نظيره من اشترى أخاه من الزنا لا يعتق ; لأنه ينسب إليه بواسطة نسبته إلى الوالد وهي غير ثابتة .

التالي السابق


( قوله : ومن استولد أمة غيره بنكاح ) يعني تزوج أمة لغيره فولدت له ( ثم ملكها صارت أم ولد ) بذلك الولد الذي ولدته بعقد النكاح ولو كان نكاحا فاسدا وهو قول أحمد في رواية . ( وقال الشافعي : لا تصير أم ولد له ) وهو قول مالك ، وعلى هذا الخلاف لو جاءت به من وطء بشبهة فملكها ، ثم عندنا تصير أم ولد له من وقت ملكها لا من وقت العلوق ، وعند زفر من وقت ثبوت النسب منه ; لأن أمومية الولد عند الملك بالعلوق السابق فبعد ذلك العلوق كل من ولد لها ثبت له حق الحرية ، ونحن نقول : إنما ثبت فيها وصف الأمية بعد الملك ، وإن كان بأمر متقدم فقبله الولد منفصل ولا سراية في المنفصل قبل الأمومة .

ويتفرع على هذا أنه لو ملك ولدا لها من غيره قبل أن يملكها له بيعه عندنا خلافا له ; لأنه ليس ابن أم ولد له ، بخلاف ما لو ملك ولده منها قبل ملكها فإنه يعتق عليه اتفاقا . وفي المبسوط : لو طلقها فتزوجت بآخر فولدت منه ثم اشترى الكل صارت أم ولد له وعتق ولده ، وولدها من غيره يجوز بيعه خلافا لزفر ، بخلاف الحادث في ملكه من غيره فإنه في حكم أمه ، ولو استولدها بملك اليمين ثم استحقت أو بنكاح على أنها حرة فظهرت أمة تصير أم ولد له عندنا .

وللشافعي فيه قولان : في قول تصير أم ولد له ، وفي آخر [ ص: 45 ] لا تصير أم ولد له ( وهو ولد المغرور ) وهو حر بالقيمة يوم الخصومة ( قوله : له ) أي للشافعي ( أنها علقت برقيق فلا تكون أم ولد كما إذا علقت من الزنا ثم ملكه الزاني ، وهذا ; لأن أمومة الولد باعتبار علوق الولد حرا ) ، وإنما قلنا : إن الأمومة باعتبار علوق الولد حرا ( ; لأنه جزء الأم في تلك الحالة والجزء لا يخالف الكل ) وهو حر ، فلا بد أن تستحق هي الحرية .

واعترض من قصر نظره على خصوص المذكور بأن الرق في أم الولد مستمر إلى موت سيدها ، والولد علق حرا فقد خالف الجزء الكل ، وهذا ; لأنه جزء منفصل وليس كالمتصل ، وتمام تقرير المذكور يدفع هذا الاعتراض ، وإنما اقتصر المصنف اقتصارا للعلم ببقية التقرير .

وحاصل الوجه المذكور أن جزأها حر ومقتضاه حريتها ، إذ لا يخالف الجزء الكل ، إلا أن الاتصال بعرضية الانفصال ، والولد وإن كان جزءا حالة الاتصال لكنه جعل كشخص على حدة في بعض الأحكام حتى جاز إعتاقه دونها فثبت به حق الحرية عملا بشبهي الجزئية وعدمها ; لما بقي منها في الحال ، وهذا المعنى لا يوجد إذا علقت برقيق ، وتأيد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم { أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته } وتقدم الحديث فشرط في ثبوت حق العتق أن تلد من سيدها ، وهذه ولدت من زوجها . ( ولنا أن سبب الأمومة ) في محل الإجماع وهو الأصل ( هو الجزئية على ما ذكرنا من قبل ) يعني عند قوله أول الباب ; ولأن الجزئية قد حصلت بين الواطئ والموطوءة بسبب الولد ( والجزئية إنما ثبتت بينهما بنسبة الولد إلى كل منهما كملا ) فتثبت الجزئية بناء على ثبوت النسب ، فثبوت استحقاق الحرية بناء على ثبوت [ ص: 46 ] الجزئية الثابت بناء على ثبوت النسب وهو ثابت في الزوج فتثبت الأمومة ( بخلاف الزنا فإنه لا نسب يثبت للولد من الزاني ) فلا تصير الأمة التي جاءت بولد من الزنا إذا ملكها الزاني أم ولد له استحسانا ، خلافا لزفر حيث قال تصير أم ولد له وهو القياس . فإن قيل : فكان ينبغي أن لا يعتق الولد إذا ملكه أبوه من الزنا إذا كان لا يثبت نسبه منه أجاب بقوله ( وإنما يعتق على الزاني إذا ملكه ; لأنه جزؤه حقيقة بغير واسطة نظيره ) أي نظير أم الولد من الزنا حيث لا تعتق عليه ; لعدم انتسابه إلى أبيه ( من اشترى أخاه من الزنا لا يعتق ) عليه ; لأنه لا ينسب إليه بغير واسطة بل ( بواسطة نسبته إلى الوالد ) وهي غير ثابتة حتى لو كانت ثابتة عتق كما إذا كان أخاه لأمه فصار الحاصل أن الأمومة تتبع ثبوت النسب عند الملك .

والعتق المنجز يتبع حقيقة الجزئية عند الملك أو ثبوت الانتساب إليه بواسطة ثابتة ، وقوله صلى الله عليه وسلم " أيما أمة " الحديث ، ليس فيه قصر الأمومة على السيد بل إنها تثبت منه غير متعرض لنفيها عن غيره ، فإذا صح تعليله بثبوت نسب ما تأتي به منه ثبتت من غيره إذا ثبت النسب منه ، وقد صح من الزوج فتثبت بالولادة منه وهذا ; لأنا ننفي المفهوم المخالف ، وهم وإن أثبتوه قدموا عليه القياس ، فإذا صح قياس الزوج على السيد في ثبوت الأمومة لزم على المذهبين إلا أنه يشكل على تعليلنا ما إذا ادعى نسب ولد أمته التي زوجها من عبده ، فإنه نسبه إنما يثبت من العبد لا من السيد وتصير أم ولد له .

وجوابه أن ثبوت الأمومة ; لإقراره بثبوت النسب منه ، وإن لم يصدقه الشرع فكان دائرا مع ثبوت النسب شرعا أو اعترافا . ومما تنتفي فيه الأمومة ما ذكر في الإيضاح : أمة جاءت بولد فادعاه أجنبي لا يثبت نسبه صدقه المولى أو كذبه ، فإن ملكه المدعى عتق ولا تصير أمه أم ولد له




الخدمات العلمية