الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن حلف أن يهب عبده لفلان فوهبه ولم يقبل بر في يمينه ) خلافا لزفر فإنه يعتبره بالبيع [ ص: 204 ] لأنه تمليك مثله . ولنا أنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع ولهذا يقال وهب ولم يقبل ، ولأن المقصود إظهار السماحة وذلك [ ص: 205 ] يتم به ، أما البيع فمعاوضة فاقتضى الفعل من الجانبين

التالي السابق


( قوله ومن حلف ليهبن عبده لفلان فوهبه ولم يقبل بر في يمينه ) الأصل أن اسم عقد المعاوضة كالبيع والإجارة والصرف والسلم والنكاح والرهن والخلع [ ص: 204 ] بإزاء الإيجاب والقبول معا ، وفي عقود التبرعات بإزاء الإيجاب فقط كالهبة والصدقة والعارية والعطية والوصية والعمري والنحلي والإقرار والهدية . وقال زفر : هي كالبيع . وفي البيع وما معه الاتفاق على أنه للمجموع . فلذا وقع الاتفاق على أنه لو قال : بعتك أمس هذا الثوب فلم تقبل فقال : بل قبلت أو آجرتك هذه الدار فلم تقبل فقال بل قبلت القول قول المشتري والمستأجر ; لأن إقراره بالبيع تضمن إقراره بالإيجاب والقبول ، وقوله : لم تقبل رجوع عنه ، وكذا على عدم الحنث إذا حلف لا يبيع فأوجب فقط ، وعلى الحنث إذا حلف ليبيعن اليوم فأوجب فيه فقط ، ووقع الخلاف في ذلك لو كان بلفظ الهبة ، فعندنا يبر الإيجاب ، وعنده يحنث . ثم استدل المصنف لزفر باعتباره بالبيع ( لأنه ) أي عقد الهبة ( تمليك مثله ) حتى يتوقف تمام سببيته على القبول فلا يكون هو : أي عقد الهبة بلا قبول كالإيجاب في البيع ، ثم لا يشترط القبض في رواية عنه بل بمجرد إيجاب الهبة والقبول من الآخر بر لتمام السبب ، وإنما القبض شرط حكمه والسبب يتم دونه كالبيع بشرط الخيار .

وفي رواية أخرى عنه : يشترط معه القبض فلا يبر حتى يقبض الآخر ; لأن السبب بلا حكم غير معتبر . قال المصنف ( ولنا أنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع ) أي الهبة اسم للتبرع ، فإذا تبرع وجد المسمى فيحنث ، ولا يراد تمامه سببا للملك إلا على ما نقل عن بعضهم أن الملك يثبت به قبل القبول ، إلا أن بالرد ينتقض دفعا لضرر المنة بلا اختيار ونحوه من فسخ نكاح الزوجة المرقوقة ; لأنه لا معول ولا عمل على هذا ، بل لا بد من القبول لتمام العقد فكان في احتياجه إلى القبول في تمام العقد ووقوعه سببا لملك الآخر كالبيع . والحاصل أنه إنما يتم به ما هو من جهته وهو التمليك ، وبهذا القدر لا يدخل في ملك الآخر وإن كان بلا بدل حتى يظهر رضاه بذلك بلفظه المفيد له فهو كالبيع في هذا القدر ، وحقيقة الخلاف إنما هو في تعيين مسميات شرعية لألفاظ هي لفظ البيع والهبة وأخواتهما ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالنقل أو الاستدلال ، فلما كان عند إطلاق لفظ باع فلان كذا أو بعت كذا يفهم منه وقوع الإيجاب والقبول حكم بأن اسم البيع للمجموع ، ثم وقع النزاع في اسم الهبة فقال زفر هو كذلك ، واستدل الأصحاب بالنقل وهو ما في الصحيحين من قول ابن عباس { أن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم } فقد أطلق اسم الإهداء من أحد الجانبين فقط لفرض أنه رده عليه .

ووجهه أن قول ابن عباس أهدى إما حكاية قول الصعب بن جثامة أهديت لك هذا أو حكاية فعل ، وعلى كل تقدير يفيد أن اسم الهداية يتم بمجرد فعل الواهب قبل الآخر أو لا . واستدل أيضا بقولنا : وهبت لفلان فلم يقبل وليس شيء منهما بلازم ; لأن غاية ما فيه أنه يصح أن يطلق لفظ الهبة والهدية على مجرد الإيجاب بقرينة كقوله فلم يقبل ، ونحن لا ننكر أنه يصح أن يقال عليه فقط كما يقال على المجموع ، وكونه ظهر في موضع أنه استعمل في مجرد الإيجاب بقرينة لا يفيد الحكم بأنه هو معناه الحقيقي الذي يجب الحكم به عليه عند عدم القرينة ألا ترى أنه لو قال : بعته هذا الثوب بألف فلم يقبل لم يكن مخطئا ويكون مستعملا لاسم الكل [ ص: 205 ] في الجزء ، فلو دل صحة قول القائل وهبت فلم يقبل على أن وضع لفظ الهبة لمجرد الإيجاب دل على صحة قوله : بعته فلم يقبل على أن البيع لمجرد الإيجاب والإثبات . وأما الاستدلال بقول الصديق لعائشة رضي الله عنهما : كنت نحلتك عشرين وسقا من مال العالية وإنك لم تكوني حزتيه . فسماه نحلى قبل القبض ، فإنما ينتهض على إحدى روايتي زفر أنه مأخوذ فيه القبض أيضا ، ولسنا نصححها بل المعتبر المجموع من الإيجاب والقبول ، والقبض شرط الحكم لا من تمام السبب ومسمى اللفظ .

وأما الوجه القائل : إن المقصود من الهبة إظهار السماحة وهو يتم بالإيجاب : يعني فالظاهر أن الاسم بإزاء ما يتم به المقصود من العقد فلا يخفى أنه غير لازم ، وإلا كانت أسماء الأمور التي لها غايات أسماء لتلك الغايات . وأيضا فقصد الإظهار للسماحة هو عين المراءاة ، ولا ينبغي حمل فعل جميع العقلاء عليه ، بل اللازم كون المقصود منها وصول النفع للحبيب والفقير الأجنبي ، وهذا أليق أن يجعل مقصودا للعقلاء فيجب الحمل عليه ، وعلى اعتباره لا يتحقق الوصول إلا بمجموع القبول والإيجاب ، وأقر بها أنه اسم للتبرع كما ذكر المصنف . والاستدلال عليه بأنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع وإن كان تمام السبب يتوقف على شيء آخر ، فهو اسم لجزء السبب إن سلم هذا ، وعلى هذا الخلاف القرض . وعن أبي يوسف أن قبول المستقرض لا بد منه فيه ; لأن القرض في حكم المعاوضة ، فلو قال أقرضني فلان ألفا فلم أقبل لا يقبل قوله . ونقل عن أبي حنيفة فيه روايتان . والإبراء يشبه البيع من حيث إنه يفيد الملك باللفظ دون قبض . والهبة ; لأنه تمليك بلا عوض ، ولهذا ذكر في الجامع أن في القرض والإبراء قياسا واستحسانا ، وقال الحلواني فيها كالهبة .

قيل والأشبه أن يلحق الإبراء الهبة لعدم العوض ، والقرض بالبيع للعوض . واعلم أن الإبراء له شبهان : شبه بالإسقاط ; لأن الدين وصف في الذمة لا عين مال ، فباعتباره قلنا لا يتوقف على القبول . وشبه بالتمليكات باعتبار أن مآله إلى عين المال حتى جرت أحكام المال عليه في باب الزكاة ، ولهذا قلنا يرتد بالرد ولا يقبل التعليق ، ولا يعلم خلاف في أن الاستقراض كالهبة . [ فروع ] حلف لا يوصي بوصية فوهب في مرض الموت لا يحنث ، وكذا لو اشترى أباه في مرضه فعتق عليه ، ولو حلف ليهبنه اليوم مائة درهم فوهبه مائة له على آخر وأمره بقبضها بر ، ولو مات الواهب قبل قبض الموهوب له لا يتمكن من قبضه ; لأنها صارت ملكا للورثة . وفي شرح الجامع الكبير للعتابي أن الإباحة والوصية والإقرار والاستخدام لا يشترط فيها القبول من الآخر . ولو قال لعبد : إن وهبك فلان مني فأنت حر فوهبه منه إن كان العبد في يد الواهب لا يعتق سلمه إليه أو لا ، وإن كان وديعة في يد الموهوب له إن بدأ الواهب فقال : وهبتكه لا يعتق قبل أو لم يقبل ، وإن بدأ الموهوب له فقال وهبته منك عتق . ولو حلف لا يهب عبده من فلان فوهبه له أجنبي فأجاز الحالف الهبة حنث كذا رواه ابن سماعة عن محمد . ولا يهب عبده لفلان فوهبه له على عوض حنث . حلف لا يستدين دينا فتزوج لا يحنث .

ولو حلف لا يشاركه ثم شاركه بمال ابنه الصغير فالشريك هو الابن لا الأب ; لأنه لا ربح للأب في المال ، وتنعقد يمين نفي الشركة على ما عليه عادات الناس من الشركة في التجارات دون الأعيان ، فلو اشتريا عبدا لم يحنث ، بخلاف ما لو قال : لا يكون بيني وبينه شركة في شيء حيث يحنث ، بخلاف ما لو ورثا شيئا لا يحنث ; لأنه لم يشاركه مختارا إنما لزمه حكما أحب أو كره




الخدمات العلمية