الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن قال إن لبست أو أكلت أو شربت فعبدي حر ، وقال عنيت شيئا دون شيء لم يدن في القضاء وغيره ) لأن النية إنما تصح في الملفوظ والثوب وما يضاهيه غير مذكور تنصيصا والمقتضى لا عموم له فلغت نية التخصيص فيه ( وإن قال إن لبست ثوبا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا لم يدن في القضاء خاصة ) لأنه نكرة في محل الشرط فتعم فعملت نية التخصيص فيه إلا أنه خلاف الظاهر فلا يدين في القضاء .

التالي السابق


( قوله ومن قال إن لبست أو أكلت أو شربت فعبدي حر وقال نويت شيئا دون شيء ) من [ ص: 134 ] الملبوس أو المأكول أو المشروب في إن أكلت وإن شربت لم تصح نيته لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى ، فأي شيء أكل أو لبس أو شرب حنث . وعند الشافعي تصح نيته ديانة ، وهو رواية عن أبي يوسف ، واختارها الخصاف لأن النية إنما تصح في الملفوظ لتعيين بعض محتملاته . والثوب في إن لبست والمأكول والمشروب في إن أكلت وإن شربت غير مذكور تنصيصا فلم تصادف النية محلها فلغت .

فإن قيل : إن لم يكن مذكورا تنصيصا فهو مذكور تقديرا وهو كالمذكور تنصيصا . أجيب بأن تقديره لضرورة اقتضاء الأكل مأكولا ، وكذا اللبس والشرب ، والمقتضى لا عموم له عندنا ، ولأن ثبوته ضروري فيتقدر بقدرها والضرورة في تصحيح الكلام ، وتصحيحه لا يتوقف إلا على مأكول لا على مأكول هو كذا فلا تصح إرادته ، فمبنى الخلاف في هذه الفروع بيننا وبين الشافعي الاختلاف في أن المقتضى لا عموم له أو له عموم على ما ذكروا ، أما لو قال إن لبست ثوبا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا وقال عنيت شيئا دون شيء فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى لا في القضاء ، لأنه ذكر اللفظ العام القابل للتخصيص فصحت نيته ، وهذا لأنه نكرة في سياق الشرط فتعم لمآلها إلى كونها في سياق النفي بسبب أن الشرط المثبت في اليمين يكون الحلف على نفيه لأن المعنى نفي لبس الثوب فكأنه قال لا ألبس ثوبا إلا أنه خلاف الظاهر فلا يقبله القاضي منه .

فإن قيل : يعتبر تخصيصا للمصدر المدلول عليه بالفعل فإنه مذكور بذكر الفعل على ما عرف في الطلاق . أجيب بأن المصدر أيضا ضروري للفعل والضرورة مندفعة بلا تعميم ، وهذا يخالف ما تقدم في مسألة طلقي نفسك حيث جعل المصدر مذكورا بذكر الفعل فقبل العموم حتى صحت نية الثلاث ، بل الحق على هذا أنه عام ، وكما قلتم في قوله إن خرجت فعبدي حر ونوى السفر مثلا يصدق ديانة فلا يحنث بالخروج إلى غيره تخصيصا لنفس الخروج ، بخلاف ما لو نوى الخروج إلى مكان خاص كبغداد حيث لا يصح لأن المكان غير مذكور ، فكذا يراد تخصيص فعل الأكل ، وهكذا قولكم فيما إذا حلف لا يساكن فلانا ونوى المساكنة في بيت واحد أنه يصح ، وهو تخصيص للمصدر المضمون للفعل .

قلنا : ذلك المصدر وإن عم بسبب أنه في سياق النفي لأن الفعل في سياقه ، لكنه لا يقبل التخصيص لأن عمومه ضرورة تحقق الفعل في النفي ، فإنه لا يتحقق في خصوص محله الخاص : أعني بعد لفظة لا في لا آكل إلا بتحقق ذلك المصدر هناك ، وما ليس ثبوته إلا ضرورة أمر لا يثبت باعتباره غيره ، ولا يثبت ما هو زائد عليه . ومعلوم أن من ضرورة ثبوت الفعل في النفي ثبوت المصدر العام ، وليس من ضرورة ثبوت الفعل ثبوت التصرف بالتخصيص فلا يقبله ، بخلاف إن أكلت أكلا فإن الاسم حينئذ مذكور صريحا فيقبل نية التخصيص هو لا يشكل الفرق لأن أكل المذكورين ليس عين الأكل الضمني للفعل الضروري الثبوت فقام المذكور مقام الاسم وقبل التخصيص .

وأما مسألة الخروج فقد أنكرها القضاة الأربعة القاضي أبو الهيثم والقاضي أبو خازم والقاضي القمي والقاضي أبو طاهر الدباس ، وحملوا ما روي عن محمد فيها على ما لو قال إن خرجت خروجا وكأنها سقطت من الكاتب . ومن التزمها أجاب بأن الخروج في نفسه متنوع إلى سفر وغيره حتى اختلفت أحكامهما قبلت إرادة أحد نوعيه وبه أجيب عن مسألة المساكنة ، فإنها متنوعة إلى كاملة وهي المساكنة في بيت واحد ، ومطلقة وهي ما تكون في دار ، فإرادة المساكنة في بيت إرادة أخص أنواعها ، وهذا بخلاف ما إذا حلف لا يغتسل أو لا ينكح ثم قال عنيت من جنابة أو امرأة دون امرأة لا يصدق قضاء ولا ديانة ، لأن الاغتسال غير متنوع لأنه عبارة عن إمرار الماء والتنوع في أسبابه .

وكذا لا يسكن دار [ ص: 135 ] فلان وقال عنيت بأجر ولم يسبق قبل ذلك كلام بأن استأجرها منه أو استعارها فأبى فحلف ينوي السكنى بالإجارة أو الإعارة لا يصح حتى لو سكنها بغير أجر حنث ، بخلاف ما لو حلف لا يسكن دارا اشتراها فلان وعنى اشتراها لنفسه فإنه يصدق لأنه أحد نوعي الشراء لأنه متنوع إلى ما يوجب الملك للمشتري وما يوجبه لغيره فتصح نية أحد النوعين ، بخلاف السكنى نفسها لأنها لا تتنوع لأنها ليست إلا الكينونة في الدار على وجه القرار ، وإنما تختلف بالصفة ولا يصح تخصيص الصفة لأنها لم تذكر بخلاف الجنس ، وكذا لو حلف لا يتزوج امرأة ونوى كوفية أو بصرية لا يصح لأنه تخصيص الصفة ، ولو نوى حبشية أو عربية صحت فيما بينه وبين الله تعالى لأنه تخصيص في الجنس كأن الاختلاف بالنسبة إلى الآباء اختلاف بالجنس وبالنسبة إلى البلاد اختلاف بالصفة ، وكأن السر في ذلك والله أعلم أن ذكر لفظ امرأة أو رجل عين ذكر ولد له آباء إلى آدم فكأنه قال كل من كان لها أب من ولد آدم وأراد بعض الآباء دون بعض وليس الصفات مذكورة بعين ولد آدم وإن كان لا يخلو الموجود عن صفة فثبوتها مقتضى الوجود لا اللفظ .

والحق أن الأفعال الخارجية لا تتصور أن تكون إلا نوعا واحدا ، لا فرق في ذلك بين الغسل ونحوه ، ولا بين الخروج ونحوه من الشراء ، فكما أن اتحاد الغسل بسبب أنه ليس إلا إمرار الماء كذلك الخروج ليس إلا قطع المسافة غير أنه يوصف بالطول والقصر في الزمان فلا تصير منقسمة إلى نوعين إلا باختلاف الأحكام شرعا ، فإن عند ذلك علمنا اعتبار الشرع إياها كذلك كما في الخروج المختلف الأحكام في السفر وغيره والشراء لنفسه وغيره فإنه مختلف حكمهما فيحكم بتعدد النوع في ذلك ، ولا يخفى أن المساكنة والسكنى ليس فيهما لاختلاف أحكام الشرع لطائفة منهما بالنسبة إلى طائفة أخرى وكل في نفسه نوع لأن الكل قرار في المكان .

ثم اعلم أن التحقيق أن المفعول في لا آكل ولا ألبس ليس من باب المقتضى لأن المقتضى ما يقدر لتصحيح المنطوق وذلك بأن يكون الكلام مما يحكم بكذبه على ظاهره مثل " رفع الخطأ والنسيان " أو بعدم صحته شرعا مثل أعتق عبدك وليس قول القائل لا آكل يحكم بكذب قائله بمجرده ولا متضمنا حكما لا يصح شرعا . نعم المفعول : أعني المأكول من ضروريات وجود فعل الآكل ، ومثله ليس من باب المقتضى وإلا كان كل كلام كذلك إذ لا بد أن يستدعى معناه زمانا ومكانا ، فكان لا يفرق بين قولنا الخطأ والنسيان مرفوعان ، وبين قام زيد وجلس عمرو ، فإنما هو من باب حذف المفعول اقتصارا وتناسيا ، وطائفة من المشايخ وإن فرقوا بين المقتضى والمحذوف وجعلوا المحذوف يقبل العموم ، فلنا أن نقول : عمومه لا يقبل التخصيص ، وقد صرح من المحققين جمع بأن من العمومات ما لا يقبل التخصيص مثل المعاني إذا قلنا بأن العموم من عوارض المعاني كما هو من عوارض الألفاظ وغير ذلك .

فكذلك هذا المحذوف إذ ليس في حكم المنطوق لتناسيه وعدم الالتفات إليه ، إذ ليس الغرض إلا الإخبار بمجرد الفعل على ما عرف من أن الفعل المتعدي قد ينزل منزلة اللازم لما قلنا والاتفاق على عدم صحة التخصيص في باقي المتعلقات من الزمان والمكان ، حتى لو نوى لا يأكل في مكان دون آخر أو زمان لا تصح نيته بالاتفاق . ومن صور تخصيص الحال أن يقول لا أكلم هذا الرجل وهو قائم ونوى في حال قيامه فنيته لغو بخلاف ما لو قال لا أكلم هذا الرجل القائم فإن نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى ، والفرق بأن المفعول في حكم المذكور إذ لا يعقل الفعل إلا بعقليته ممنوع بل نقطع بتعقل معنى المتعدي بدون إخطاره ، فإنما هو لازم لوجوده [ ص: 136 ] لا مدلولا للفظ . هذا ، وكون إرادة نوع ليس تخصيصا من العام مما يقبل المنع لأنه لا يخرج عن قصر عام على بعض متناولاته ، وأقرب الأمور إليك قوله { لا تقتلوا النساء والصبيان } تخصيص لاقتلوا المشركين ، والنساء نوع مندرج تحت المشركين ، ومعنى تخصيص النوع ليس إلا إخراج جميع أفراده كما نحن فيه تخصيص السفر تخصيص كل ما يصدق عليه اسم السفر فيستمر الإشكال في يمين المساكنة والخروج وقد أنكر هذه من ذكرنا .

ولا يجاب بما ذكر في الذخيرة جوابا عن إيراد قائل لو صحت نية الشراء لنفسه فمن حيث إنه بيان نوع لا بيان تخصيص كان يجب أن يصدق في القضاء كما في الخروج ، وكما في قوله أنت بائن قلنا نية الشراء لنفسه بيان نوع من وجه وتخصيص عام من وجه في حق الحقوق لأن الشراء لنفسه ولغيره سواء في حق الحقوق ، فمن هذا الوجه هو شيء واحد وله عموم ، فإذا نوى أحدهما كان تخصيصا ، ولكن في حق الملك بيان نوع لأنهما مختلفان في حق الملك فوفرنا على الشبهين حظهما فقلناه من حيث إنه بيان نوع يصح هذا البيان فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يكن الاسم ملفوظا ، ومن حيث إنه تخصيص لم يجز في القضاء .

وهذا بخلاف قوله أنت بائن يصح نية أي أنواع البينونة شاء من عصمة النكاح وغيرها لأن الأعم في الإثبات لا يعم استغراقا . بخلافه في النفي لو قلت رأيت رجلا لا يعم أصناف الرجال استغراقا بخلاف ما رأيت رجلا .




الخدمات العلمية