الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 141 ] قال ( ومن حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا انعقدت يمينه وحنث عقيبها ) وقال زفر : لا تنعقد لأنه مستحيل عادة فأشبه المستحيل حقيقة فلا ينعقد . ولنا أن البر متصور حقيقة لأن الصعود إلى السماء ممكن حقيقة ; ألا ترى أن الملائكة يصعدون السماء وكذا تحول الحجر ذهبا بتحويل الله تعالى ، وإذا كان [ ص: 142 ] متصورا ينعقد اليمين موجبا لخلفه ثم يحنث بحكم العجز الثابت عادة . كما إذا مات الحالف فإنه يحنث مع احتمال إعادة الحياة بخلاف مسألة الكوز ، لأن شرب الماء الذي في الكوز وقت الحلف ولا ماء فيه لا يتصور فلم ينعقد .

التالي السابق


( قوله ومن حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا انعقدت يمينه وحنث عقيبها ) يعني إذا حلف [ ص: 142 ] مطلقا كما هي في الكتاب . أما إذا وقت فقال لأصعدن غدا لم يحنث حتى بمضي ذلك الوقت ، حتى لو مات قبله لا كفارة عليه إذ لا حنث . وقال زفر : لا ينعقد أصلا لأنه مستحيل عادة فيجعل كالمستحيل حقيقة كماء الكوز فلا تنعقد . ولنا أن صعود السماء ممكن ولذا صعدته الملائكة وبعض الأنبياء ، وكذا تحويل الحجر ذهبا بتحويل الله بخلعه صفة الحجرية وإلباس صفة الذهبية بناء على أن الجواهر كلها متجانسة مستوية في قبول الصفات أو بإعدام الأجزاء الحجرية وإبدالها بأجزاء ذهبية .

والتحويل في الأول أظهر وهو ممكن عند المتكلمين على ما هو الحق ، ولعله من إثبات كرامات الأولياء فكان لا البر متصورا فتنعقد اليمين موجبة لخلفه وهو الكفارة للعجز الثابت عادة فلا يرجى زواله وصار كما إذا مات الحالف فإنه يحنث في آخر جزء كما قلنا مع احتمال إعادة الحياة فيه فيثبت معه احتمال أن يفعل المحلوف عليه . ولكن لم يعتبر ذلك الاحتمال بخلاف العادة فحكم بالحنث إجماعا ، بخلاف مسألة الكوز لأن شرب الماء الذي في الكوز الذي لا ماء فيه لا يمكن ولا تتعلق القدرة به فلذا لم تنعقد . فمحط الخلاف أنه ألحق المستحيل عادة بالمستحيل حقيقة ونحن نمنعه ، وكل ما وقع في هذه المسائل من لفظ متصور فمعناه ممكن وليس معناه متعقلا متفهما ، والله أعلم .




الخدمات العلمية