الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 82 ] ثم المذكور في الكتاب في بيان أدنى الكسوة مروي عن محمد . وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن أدناه ما يستر عامة بدنه حتى لا يجوز السراويل ، وهو الصحيح لأن لابسه يسمى عريانا في العرف ، لكن ما لا يجزيه عن الكسوة يجزيه عن الطعام باعتبار القيمة .

التالي السابق


( قوله ثم المذكور في الكسوة في الكتاب ) أي المبسوط أو مختصر القدوري ( في بيان أدنى الكسوة ) المسقطة للواجب من أنه ما يجوز فيه الصلاة ( مروي عن محمد ) رحمه الله فيجزيه دفع السراويل ، وعنه تقييده بالرجل ، فإن أعطى السراويل امرأة لا يجوز لأنه لا يصح صلاتها فيه ( وعن أبي حنيفة وأبي يوسف إن أدناه ما يستر عامة بدنه ، ولا يجوز السراويل على هذا وهو الصحيح ، لأن لابس السراويل يسمى عريانا عرفا ) فعلى هذا لا بد أن يعطيه قميصا أو جبة أو رداء أو قباء أو إزارا سابلا بحيث المقسم به عند أبي حنيفة وأبي يوسف وإلا فهو كالسراويل ، ولا تجزئ العمامة إلا إن أمكن أن يتخذ منها ثوب مجزئ مما ذكرنا جاز .

وأما القلنسوة فلا تجزئ بحال ، وإن كان قد روي عن عمران بن المقسم أنه سئل عن ذلك فقال : إذا قدم وفد على الأمير وأعطاهم قلنسوة قيل قد كساهم قيل قد كساهم فلا عمل على هذا . وعن ابن عمر رضي الله عنه : لا يجزي أقل من ثلاثة أثواب قميص ومئزر ورداء .

وعن أبي موسى الأشعري ثوبان . قال الطحاوي : هذا كله إذا دفع إلى الرجل ، أما إذا دفع إلى المرأة فلا بد من خمار مع الثوب لأن صلاتها لا تصح دونه ، وهذا يشابه الرواية التي عن محمد في دفع السراويل أنه للمرأة لا يكفي ، وهذا كله خلاف ظاهر الجواب ، وإنما ظاهر الجواب ما يثبت به اسم المكتسي وينتفي عنه اسم العريان ، وعليه بني عدم إجزاء السراويل لا صحة الصلاة وعدمها فإنه لا دخل له في الأمر بالكسوة ، إذ ليس معناه إلا جعل الفقير مكتسيا على ما ذكرنا ، والمرأة إذا كانت لابسة قميصا سابلا وإزارا وخمارا غطى رأسها وأذنيها دون عنقها لا شك في ثبوت اسم أنها مكتسية لا عريانة ، ومع هذا لا تصح صلاتها فالعبرة لثبوت ذلك الاسم صحت الصلاة أو لا ، ثم اعتبار الفقر والغنى عندنا عند إرادة التكفير وعند الشافعي عند الحنث ، فلو كان موسرا عند الحنث ثم أعسر عند التكفير أجزأه الصوم عندنا وبعكسه لا يجزيه ، وعند الشافعي على القلب قاسه على الحد فإن المعتبر وقت الوجوب للتنصيف بالرق .

وقلنا : الصوم خلف عن المال كالتيمم فإنما يعتبر فيه وقت الأداء ، أما حد العبد فليس ببدل عن حد الحر فلا يصح قياسه عليه ( قوله لكن ما لا يجزيه إلخ ) يعني لو أعطى الفقير ثوبا لا يجزيه عن الكسوة الواقعة كفارة بطريق الكسوة مثل السراويل على المختار أو نصف ثوب مجزئ وقيمته تبلغ قيمة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير أجزأه عن إطعام فقير من الكفارة ، وكذا إذا أعطى عشرة مساكين ثوبا كبيرا لا يكفي كل واحد حصته منه للكسوة ، [ ص: 83 ] وتبلغ حصة كل منهم قيمة ما ذكرنا أجزأه عن الكفارة بالإطعام ، ثم ظاهر المذهب أنه لا يشترط للإجزاء عن الإطعام أن ينوي به عن الإطعام .

وعن أبي يوسف : لا يجزيه إلا أن ينويه عن الإطعام . وعند زفر لا يجزيه نوى أو لم ينو . واعترض بقوله صلى الله عليه وسلم { وإنما لكل امرئ ما نوى } فإذا لم ينو عن الإطعام لا يقع عنه ، ولأنه تعالى خير المكفر بين خصال ثلاث ، فإذا اختار أحدها صار كأنه هو الواجب ابتداء وتنحى الآخران .

والجواب أنه إن أراد أنه لا بد من نية الكفارة فصحيح وبه نقول ، وقوله صلى الله عليه وسلم { وإنما لكل امرئ ما نوى } دليله فلا يتصرف المؤدي طعاما أو كسوة إلى كونه كفارة إلا بنية ، وإن أراد أنه لا بد أن ينوي التكفير بالإطعام والتكفير بالكسوة مثلا فممنوع فإن الواجب التكفير بأحد الأشياء التي كل منها متعلق الواجب وهو فعل الدفع الذي هو نفس الواجب ، فإذا دفع أحدها ناويا الامتثال فقد تم الواجب سواء كان يصح إطعاما أو غيره مما هو أحد الثلاثة ، ولو توقف السقوط على أن ينوي بدفع أحدها أنه عن الآخر إذا لم يكف لنفسه لزم أن ينوي كل خصلة في نفسها فيجب أن ينوي في الإطعام أنه إطعام وفي دفع الثوب أنه كسوة ولا حاجة إلى ذلك ، بل المحتاج إليه نية الامتثال بالفعل إذا كان مما يصلح للإسقاط بوجه وقد نوى الإسقاط فانصرف إلى ما به الإسقاط فظهر ضعف كلام المعترض على أن كونه مختارا للكسوة إذا دفع ما لا يستقيم كسوة ممنوع ، وقد طولب بالفرق بين هذا وبين ما إذا أعطى نصف صاع تمر في صدقة الفطر قيمته نصف صاع بر لا يجزي عنه بطريق القيمة .

وأجيب بأن جنس الكفارة في التمر والبر متحد منصوص عليه وهو سد حاجة البطن من التغذي فلا يدفع أحدهما عن الآخر كالقمح عن الشعير . بخلاف الكسوة مع الإطعام فإنهما جنسان من الكفارة لدفع حاجتين متباينتين دفع حاجة البرد والحر ودفع حاجة التغذي فجاز جعل إحداهما عن الأخرى ، وإنما نظير المورد من صدقة الفطر لو دفع ثوبا صغيرا نفيسا تبلغ قيمته ثوب كرباس يجزي عن الكسوة ينبغي أن لا يجزيه عن الكسوة بل عن الإطعام .




الخدمات العلمية