الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ . (33) قوله : والذي جاء : بالصدق لفظه مفرد ، ومعناه جمع لأنه أريد به الجنس . وقيل : لأنه قصد به الجزاء ، وما كان كذلك كثر فيه وقوع " الذي " موقع " الذين " ، ولذلك روعي معناه فجمع في قوله : أولئك هم المتقون كما روعي معنى " من " في قوله : " للكافرين " ; فإن الكافرين ظاهر واقع موقع المضمر ; إذ الأصل : مثوى لهم . وقيل : بل الأصل : والذين جاء بالصدق ، فحذفت النون تخفيفا ، كقوله : وخضتم كالذي خاضوا . وهذا وهم ; إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع ، فكان يقال : والذي جاؤوا ، كقوله : " كالذي خاضوا " . ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنى ، كقوله :


                                                                                                                                                                                                                                      3895 - أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا



                                                                                                                                                                                                                                      ولجاء كقوله :


                                                                                                                                                                                                                                      3896 - وإن الذي حانت بفلج دماؤهم     هم القوم كل القوم يا أم خالد



                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ عبد الله "والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به" وقد تقدم تحقيق مثل هذه الآية في أوائل البقرة وغيرها . وقيل : " الذي " صفة لموصوف محذوف [ ص: 428 ] بمعنى الجمع ، تقديره : والفريق أو الفوج ولذلك قال : أولئك هم المتقون . وقيل : المراد بالذي واحد بعينه وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن لما كان المراد هو وأتباعه اعتبر ذلك فجمع ، فقال : " أولئك هم " كقوله : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون . قاله الزمخشري وعبارته : " هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد به إياه ومن تبعه ، كما أراد بموسى إياه وقومه " . وناقشه الشيخ في إيقاع الضمير المنفصل موقع المتصل قال : " وإصلاحه أن يقول : أراده به كما أراده بموسى وقومه " . قلت : ولا مناقشة ; لأنه مع تقديم " به " و " بموسى " لغرض من الأغراض استحال اتصال الضمير ، وهذا كما تقدم لك بحث في قوله تعالى : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم ، وقوله : يخرجون الرسول وإياكم : وهو أن بعض الناس زعم أنه يجوز الانفصال مع القدرة على الاتصال ، وتقدم الجواب بقريب مما ذكرته هنا ، وبينت حكمة التقديم ثمة . وقول الزمخشري : " إن الضمير في " لعلهم يهتدون " لموسى وقومه " فيه نظر ، بل الظاهر خصوص الضمير بقومه دونه ; لأنهم هم المطلوب منهم الهداية . وأما موسى عليه السلام فمهتد ثابت على الهداية . وقال الزمخشري أيضا : " ويجوز أن يريد : والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به ، وهم : الرسول الذي جاء بالصدق وصحابته الذين صدقوا به " . قال الشيخ : " وفيه توزيع الصلة ، والفوج هو الموصول ، فهو [ ص: 429 ] كقولك : جاء الفريق الذي شرف وشرف ، والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن له الصلة الأولى " .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان ومحمد بن جحادة مخففا بمعنى صدق فيه ، ولم يغيره . وقرئ " وصدق به " مشددا مبنيا للمفعول .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية