الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما المتممات في الآثار والأخبار فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأسماء الصحابة وصفاتهم والعلم بالعدالة في الرواة والعلم بأحوالهم ليميز الضعيف عن القوي والعلم بأعمارهم ليميز المرسل عن المسند وكذلك ما يتعلق به فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفايات فإن قلت لم : ألحقت الفقه بعلم الدنيا فاعلم أن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من التراب وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى العرض ثم إلى الجنة أو إلى النار فهذا مبدؤهم ، وهذا غايتهم وهذه منازلهم .

وخلق الدنيا زادا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت منها الخصومات فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا ولعمري إنه متعلق أيضا بالدين لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتم الدين إلا بالدنيا .

والملك والدين توأمان فالدين . أصل والسلطان حارس وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان

التالي السابق


(وأما المتممات في الأخبار والآثار) وهذا هو القسم الثاني من القسمين الأولين (فالعلم بالرجال) الذي يروى من طريقهم (وأسمائهم) بألقابهم وكناهم، وقد روى الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي بسنده إلى أبي إسحاق النجيرمي إنه قال: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس; لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء يدل عليه، ولا بعده شيء يدل عليه .

(وبأسماء الصحابة وصفاتهم) وقد ألف في كل من ذلك كتب مستقلة (والعلم بالعدالة في الرواة) العدالة صفة توجب مراعاتها التحرز عما يخل بالمروءة ظاهرا، فالمرة الواحدة من صغائر الهفوات وتحريف الكلام لا تخل بالمروءة ظاهرا؛ لاحتمال الغلط والسهو والتأويل، بخلاف ما إذا عرف منه ذلك، وتكرر، فيكون الظاهر الإخلال، ويعتبر عرف كل شخص وما يعتاد من لبسه، وفي شرح جمع الجوامع: العدالة ملكة في النفس، تمنع عن اقتراف كل فرد فرد من الكبائر وصغائر الخسة، كسرقة لقمة، وتطفيف تمرة، والرذائل الجائزة كبول بطريق، وأكل غير سوقي به .

(والعلم بأحوالهم) جرحا وتعديلا (ليتميز الضعيف) منهم (عن القوي) والمتروك من المقبول، ويندرج في ذلك علم عقائد الجارح والمجروح من التي تؤثر في الجرح وما لا تؤثر، وقد أورد ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري .

(والعلم بأعمارهم) بمعرفة المواليد والوفيات (ليتميز المرسل من المسند) وهذا بالنسبة إلى طبقة التابعين (وكذلك ما يتعلق به) من الفنون والأنواع التي ذكرها أئمة المصطلح (فهذه هي العلوم الشرعية) المنسوبة إلى الشرع (وكلها محمودة) شرعا (بل كلها من فروض الكفايات) .

وقال ابن السبكي: علوم الشرع في الحقيقة ثلاثة:

الفقه: وإليه الإشارة في حديث ابن مسعود وابن عمر بالإسلام .

وأصول الدين: وإليه الإشارة بالإيمان .

والتصوف: وإليه الإشارة بالإحسان .

وما عدا هذه العلوم إما راجع إليه وإما خارج عن الشريعة .

قال: فإن قلت: علماء الشرع أصحاب التفسير والحديث والفقه، فما لك أهملت التفسير والحديث، وذكرت بدلهما الأصول والتصوف، وقد نص الفقهاء على خروج المتكلم من سمة العلماء؟

قلت: أما خروج المتكلم من اسم العلماء فقد أنكره الشيخ الإمام والدي في شرح المنهاج، وقال: الصواب دخوله إذا كان متكلما على قوانين الشريعة، ودخول الصوفي إذا كان كذلك، وهذا هو الرأي السديد عندنا .

وأما أنا لم نعد أصحاب التفسير والحديث فما ذلك إخراج لهم، معاذ الله، بل نقول: التفسير والحديث من أصول الدين وفروعه، فهما داخلان في العلمين. اهـ .

(فإن قلت: فلم ألحقت الفقيه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء) المتكفلين بنشره (بعلماء الدنيا) ومعرفة الأحكام الشرعية هو المقصود الأعظم الذي ينال به الإنسان السعادة، فهلا يلحق بعلم الآخرة، وحملتها بعلماء الآخرة .

(فاعلم أن الله) عز وجل (أخرج آدم) عليه السلام (من التراب) [ ص: 152 ] أي: خلقه منه (وأخرج ذريته) ونسله (من سلالة) أي: صفوة استلت من الأرض (من طين ومن ماء دافق) أي: النطفة (فأخرجهم من الأصلاب) أي: من أصلاب الآباء (إلى الأرحام) أي: أرحام الأمهات (ومنها إلى الدنيا) هذه الدار المحيط بها جبل قاف (ثم إلى القبر) أول منازل الآخرة وآخر منازل الدنيا (ثم إلى العرض) بين يدي الله تعالى في المحشر (ثم إلى الجنة) إن ختم له بصالح (أو إلى النار) إن كان بغير ذلك .

(فهذا) أي: خلقه من السلالة (مبدؤهم، وهذا) أي: خروجهم إلى الدنيا ثم القبر ثم العرض (غايتهم) وفي نسخة نهايتهم (وهذه منازلهم) التي يستقرون بها، أشار بتقريره إلى الأسفار الستة:

فالأول: سفر السلالة من الطين .

الثاني: سفر النطفة من الصلب إلى الرحم .

الثالث: سفر الجنين من الرحم إلى الدنيا .

الرابع: سفره منها إلى القبر .

الخامس: سفره من القبر إلى العرض في الموقف .

السادس: منه إلى أحد المنزلين .

وبه يعلم أن الإنسان إذا نظر إليه في الحقيقة عابر سبيل .

(وخلق الدنيا زادا) يبلغ المسافر (للمعاد) ومن هنا قيل: "الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها" (ليتناول منها ما يصلح للتزود) أي: اتخاذ الزاد، والمراد به الأعمال الصالحة (فلو تناولوها بالعدل) والسوية (انقطعت الخصومات) وارتفعت الظلامات (وتعطل الفقهاء) ولم يحتج إليهم (ولكن تناولوها) وتعاطوا أمورها (بالشهوات) مما تميل له النفوس وتشتهيه (فتولدت منها الخصومات) وكثرت الشكايات وأنتجت الظلامات (فمست الحاجة إلى) وجود (سلطان) أي: حاكم متسلط (يسوسهم) يرعاهم وينظر أحوالهم فيما يختصمون فيه (واحتاج السلطان) نفسه (إلى قانون) يرجع إليه (ويسوسهم به) والقانون هو الأمر الكلي الذي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامها منه .

(فالفقيه هو العالم بقانون السياسة) الشرعية (وطريق التوسط بين الخلق) في محاكماتهم (إذا تنازعوا بحكم الشهوات) وتجاذبوا فيها (فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده) وهاديه (إلى) معرفة (طريق سياسة الخلق وضبطهم لتنتظم استقامة أمورهم في الدنيا) بالعدل والإصلاح والحلم والإحسان، وفي نسخة: لتنتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا .

(ولعمري) قسم بالعمر بالفتح، وهو البقاء والحياة (هو متعلق أيضا بالدين) حيث إن ذلك القانون الذي يستقيم به أمر السلطان والرعية لا يخرج عن الأحكام الشرعية (ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا) فتعلقه بالدين في الدرجة الثانية (فإن الدنيا مزرعة الآخرة) وممر المعاد (ولا يتم) نظام (الدين إلا بالدنيا) أي: بعمارتها وصلاحها (والملك والدين توأمان) أي قرينان، والتوأم أصله ووأم من الوئام وهو الموافقة والمشاكلة، وهذا توأم هذا وهما توأمان، وأبى الليث قولهم: توأمان، وخطأه الأزهري، قال: والقول ما قال ابن السكيت، وهو قول الفراء والنحويين الذين يوثق بعلمهم، قالوا: يقال للواحد: توأم، وهما توأمان إذا ولدا في بطن واحد .

(والدين أصل والسلطان حارس) له وحامية (وما لا أصل له فهو مهدوم) أي: ساقط (وما لا حارس له فضائع) وهالك (ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان) .

وأخرج أبو نعيم في ترجمة عبد الله بن المبارك من رواية أبي بكر الصولي، عن بعضهم قال: ورد على الرشيد كتاب صاحب الخبر من هيت أنه مات رجل بهذا الموضع غريب، فاجتمع الناس على جنازته، فسألت عنه فقالوا: عبد الله بن المبارك، فقال الرشيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا فضل -يعني وزيره فضل بن الربيع- ائذن للناس يعزونا، فأظهر الفضل تعجبا، فقال: ويحك! إن عبد الله هو الذي يقول:


الله يرفع بالسلطان معضلة عن ديننا رحمة منه ورضوانا لولا الأئمة لم تأمن لنا سبل
وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

من سمع هذا القول من ابن المبارك مع فضله وزهده وعظمه في صدور العامة ولا يعرف حقنا!

قلت: هذه الأبيات من قصيدة طويلة له أوردها ابن السبكي في أوائل الطبقات، وفي كلام بعض الحكماء: نظام الدين منوط بنظام الدنيا، ونظامها بالمال، والمال يتحصل من الرعية، ونظام الرعية بعدل الحكام، والعدل [ ص: 153 ] إنما يتم بالعلم، فنظام الدين منوط بالعلم.




الخدمات العلمية