الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى وقد صار هذا الفن غريبا مندرسا وإذا تعرض العالم لشيء منه استغرب واستبعد وقيل : هذا تزويق المذكرين فأين التحقيق ويرون أن التحقيق في دقائق المجادلات ولقد صدق من قال .


الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد     لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم
فهم على مهل يمشون قصاد     والناس في غفلة عما يراد بهم
فجلهم عن سبيل الحق رقاد

وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم فإن الحق مر والوقوف عليه صعب وإدراكه شديد وطريقه مستوعر ولا سيما معرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة فإن ذلك نزع للروح على الدوام وصاحبه ينزل منزلة الشارب للدواء يصبر على مرارته رجاء الشفاء وينزل منزلة من جعل مدة العمر صومه فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت ومتى تكثر الرغبة في هذا الطريق ولذلك قيل إنه كان في البصرة مائة وعشرين متكلما في الوعظ والتذكير ولم يكن من يتكلم في علم اليقين وأحوال القلوب وصفات الباطن إلا ثلاثة منهم ، سهل التستري والصبيحي وعبد الرحيم وكان يجلس إلى أولئك الخلق الكثير الذي لا يحصى وإلى هؤلاء عدد يسير قلما يجاوز العشرة لأن النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص وما يبذل للعموم فأمره قريب .

التالي السابق


(فالعناية) أي صرف الهمة (بمقامات القلب وأحواله) التي تعرضه، (هو دأب علماء الآخرة) وطريقتهم; (لأن القلب هو الساعي إلى قرب الرب عز وجل) والبدن مطيته، كما سبق ذلك للمصنف أولا، (و) لعمري (قد صار هذا الفن غريبا) وطلابه غرباء (مندرسا) عفت آثاره وطمست، (وإذا تعرض العالم لشيء منه) يحصله لنفسه، (استبعد واستغرب) أي عد بعيدا عن الأفهام وطالبه، غريبا، (وقيل له: هذا تزويق المذكرين) أي الواعظين والقصاص، (فأين التحقيق في دقائق المجادلات) ورقائق المخاصمات، (ولقد صدق القائل) هو عبد الواحد بن زيد، قال صاحب القوت: وقد قال عبد الواحد بن زيد إمام الزاهدين كلاما في هذا المعنى، يفرد العلماء بالله تعالى، ويرفع طريقهم فوق كل طريق أنشدونا عنه:


(الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم)

ونص القوت: ولا تسلك بدل تدرى

(فهم على مهل يمشون قصاد


والناس في غفلة عما يراد بهم فجلهم عن سبيل الحق رقاد)

وإلى البيت الأخير أشار الطغرائي في لاميته:


قد شحوك لأمر لو فطنت له فاربأ نفسك أن ترعى مع الهمل



(وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق) في تحصيلاتهم (إلا إلى الأسهل والأرفق) ، والأرفق (إلى طباعهم) ، وهم إذا منعوا مما هم فيه لأبوا قبوله، (فإن الحق مر) الطعم، (والوقوف عليه صعب) المرام، (وإدراكه شديد) أي ينال بالشدة، (وطريقه مستوعر) لا سبيل إلى سلوكه، لكل أحد وهي علوم الإيمان، (لا سيما معرفة صفات القلب) الحميدة، (وتطهيره عن الأخلاق الذميمة) حتى يستقر فيه نور الإيمان وضياء المعرفة، (فإن ذلك نزوع للروح على الدوام) وتنزل عن الفخر والاحتشام، (وصاحبه ينزل منزلة شارب الدواء) المر (يصبر على مرارته) ويعض على مثل الجمر من حرارته، (رجاء للشفاء) من أمراضه الباطنة (وينزل منزلة من جعل مدة العمر صومه) وينقطع عن لذائذ المأكولات، (فهو يقاسي الشدائد) ويعاينها (ليكون قطره عند الموت) بتلقي الملائكة له إلى الجنة، (ومتى تكثر الرغبة في) تحصيل (هذه الطريق) مع ما ذكر (ولذلك قيل) ونص القوت: وقال بعض علمائنا (كان في البصرة مائة وعشرون متكلما في الوعظ والتذكير) .

[ ص: 431 ] ولفظ القوت في الذكر والوعظ: (ولم يكن منهم من يتكلم في علم) المعرفة، (واليقين) والمقامات، (وأحوال القلوب وصفات الباطن إلا ثلاثة،) ولفظ القوت: إلا ستة منهم أبو محمد (سهل) بن عبد الله التستري، (والصبيحي) بالضم منسوب إلى جده صبيح، (وعبد الرحيم) بن يحيى بن الأسود، (وكان يجلس إلى هؤلاء) أي أهل الوعظ، والتذكير (الخلق الكثير الذي لا يحصى) ولفظ القوت: وكان يجتمع في مجالس القصاص والمذكرين والواعظين مئون من عهد الحسن إلى وقتنا هذا، (و) يجلس (إلى هؤلاء) يعني أهل علم صفات القلب (عدد يسير قلما يجاوز العشرة) ، فكان سهل يجلس عنده خمسة، أو ستة إلى العشرة، وكان الجنيد يتكلم على بضع عشرة، وما تم أهل مجلسه عشرون، ولم ير في مجالس أهل العلم، فيما سلف ثلاثون رجلا، ولا عشرون إلا نادرا غير لزام ولا دوام، إنما كانوا بين الأربعة، والعشرة، وبضعة عشر، وقال الأوزاعي: مات عطاء بن أبي رباح، يوم مات وهو أرضى، أهل الأرض عند الناس، وما كان يشهد مجلسه إلا سبعة أو ثمانية، قال صاحب القوت: فهذا أيضا من الفرق بينهما، (لأن النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص) من اختصهم الله لقربه، (وما يبذل للعموم فأمره قريب) ، وفي القوت: إن العلم مخصوص لقليل وإن القصص عام لكثير، وقال في موضع آخر: ولعمري، إن المذاكرة بين النظراء، والمحادثة بين الإخوان، والجلوس للعلم يكون للإخوان، والجواب في المسائل نصيب العموم، وكان عند أهل هذا العلم أن علمهم مخصوص لا يصلح إلا للخصوص، والخصوص قليل، فلم يكونوا ينطقون به إلا عند أهله، ويرون أن ذلك من حقه، وأنه واجب عليه .




الخدمات العلمية