الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال الحسن كان فيمن كان قبلكم رجل له قدم في الإسلام وصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن المبارك عنى به سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : وكان لا يغشى السلاطين وينفر عنهم فقال له بنوه يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقدم في الإسلام فلو أتيتهم فقال : يا بني آتي جيفة قد أحاط بها قوم والله لئن استطعت لا أشاركهم فيها قالوا يا أبانا إذن نهلك هزالا قال يا بني لأن أموت مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن أموت منافقا سمينا قال الحسن خصمهم والله إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن دون الإيمان .

وفي هذا إشارة إلى أن الداخل على السلطان لا يسلم من النفاق ألبتة وهو مضاد للإيمان .

وقال أبو ذر لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب شيئا من دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضل منه .

وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم لا سيما من له لهجة مقبولة وكلام حلو إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أن في وعظك لهم ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع إلى أن يخيل إليه أن الدخول عليهم من الدين ثم إذا دخل لم يلبث أن يتلطف في الكلام ويداهن ويخوض في الثناء والإطراء وفيه هلاك الدين .

وكان يقال العلماء إذا علموا عملوا ، فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الحسن أما بعد فأشر علي بأقوام أستعين بهم على أمر الله تعالى فكتب إليه أما أهل الدين فلا يريدونك وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة .

هذا في عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، وكان أزهد أهل زمانه فإذا كان شرط أهل الدين الهرب منه فكيف يستنسب طلب غيرهم ومخالطته ولم يزل السلف العلماء مثل الحسن والثوري وابن المبارك ، والفضيل وإبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط يتكلمون في علماء الدنيا من أهل مكة والشام وغيرهم إما لميلهم إلى الدنيا وإما لمخالطتهم السلاطين

التالي السابق


( وقال الحسن) بن سعيد البصري ( كان فيمن كان قبلكم رجل له قدم في الإسلام) أي: سبق وتقدم ( وصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن المبارك) راوي هذا الأثر ( عن) الحسن ( به) أحد العشرة أبا إسحاق ( سعد بن أبي وقاص) مالك بن أهيب الزهري، أبهمه الحسن وفسره ابن المبارك فهو مدرج، ( قال: وكان لا يغشى السلاطين ولا يقعد عندهم) أراد بهم خلفاء زمانه، كالصديق والفاروق، وذي النورين، ولعل هذا في آخر أمره وإلا ففي أول أمره كان ابتلي بالإمارة والسياسة والحجابة، والحراسة ففتح [ ص: 391 ] الله على يديه السواد، والبلدان ومنح عدة من الإناث، والذكران ثم رغب عن ذلك كله، وآثر العزلة والرعاية، وتلافي ما بقي من عمره بالعناية، وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك، وكان أميرا على الكوفة فعزله عمر، وولى عمارا ثم عزله، وأعاد سعدا فأبى عليه ورام ابنه عمر بن سعد أن يدعو إلى نفسه بعد قتل عثمان، فأبى وكذلك رامه ابن أخيه هاشم بن عقبة بن أبي وقاص، فأبى فلحق هاشم بعلي، وكان سعد ممن قعد ولزم بيته، في الفتنة وأمر أهله أن لا يخبروه بشيء من أخبار الناس، حتى تجتمع الأمة على إمام ( في الصحبة) لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ( والقدم) في الإسلام ( فلو أتيتهم) أي: واستفدت منهم ( فقال: يا بني) بفتح الموحدة وكسر النون، ( إن الدنيا جيفة) أي: مآلها كذلك، ( وقد أحاط بها قوم) يتجاذبونها ( والله لئن استطعت لا نشاركهم) أي: الداخلين على الأمراء ( فيها) أي: في تحصيلها ( قالوا يا أبانا إذا نهلك هزلا) أي: فقرا وقلة ( قال يا بني لأن أموت مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن أموت منافقا سمينا) فلم يزل رضي الله عنه فيحال التقشف والصبر حتى لحق بربه معتزلا، في قصره بالعقيق، في سنة خمس وخمسين على المشهور، وحمل على الأعناق ودفن بالبقيع، وهو آخر العشرة موتا فهو قدوة من ابتلي في حاله بالتلوين وحجة من تحصن بالوحدة والعزلة من التفتين ( قال الحسن) راوي الأثر ( خصمهم والله) أي: غلبهم في الخصومة، ( إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن) في القبر ( دون الإيمان) فإنه محفوظ ( وفي هذا إشارة إلى أن الداخل على السلطان لا يسلم من النفاق) والمداهنة ( البتة وهو) أي: النفاق ( مضاد الإيمان) الكامل لا يجتمعان معا ( وقال أبو ذر) جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه من السابقين أول من تكلم في علم البقاء والفناء، وثبت على المشقة والعناء وحفظ العهود، والوصايا، وصبر على المحن والرزايا، واعتزل البرايا، إلى أن حل بساحة المنايا مات معتزلا بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، وكان يوازيه في العلم وقدم ابن مسعود المدينة، فمات بعده بعشرة أيام ( لسلمة) بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، أبي مسلم، ويقال أبو إياس، ويقال أبو عامر له صحبة، ورواية .

قال أبو نعيم: استوطن الربذة بعد قتل عثمان، وتوفي سنة أربع وتسعين ( يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه) أي: مما أصبت من دنياهم، وهو كما قال الثوري: وإياك أن تخدع فيقال تدفع عن مظلوم فإن هذه خدعة إبليس اتخذها القراء سلما، ( وهذه) أي: المخالطة للملوك ( فتنة للعلماء عظيمة) طار شررها في الآفاق، ( وذريعة) أي: وسيلة ( صعبة للشيطان عليهم) يخدعهم بلطف احتياله بذلك ( لا سيما من له) بهجة مرموقة و ( لهجة مقبولة) أي: فصاحة اللسان ( وكلام حلو) يورده على ترتيب حسن ومناسبات قريبة مما تليق بمجالسهم، ( لا يزال الشيطان يلقي إليه) في روعه ( إن في وعظك لهم) بهذه الصفة ( ودخولك عليهم) بالاستمالة ( ما يزحزحهم) أي: يخرجهم ( من) ارتكاب أنواع ( الظلم) ويمنعهم من المحرمات، ( ويقيم من شعائر الإسلام) ويثبت حبه في قلوبهم ( إلى أن يخيل إليه) في تخيلاته ( أن الدخول إليهم من) جملة أمور ( الدين) فلا حول ولا قوة إلا بالله، ( ثم إذا دخل) بإغواء إبليس ( لم يلبث أن) يظهر الفصاحة ورفعة شأنه في العلم، وفي أثنائه ( يتلطف في الكلام) ، ويرفقه ( ويداهن) ويستميل ( ويخوض في الثناء) عليه ( والإطراء) بمدحه، ( وفيه) أي: من مجموع ما ذكر ( هلاك الدين) والخسران المبين ( وكان يقال العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا) أي: بالله تعالى وهو نتيجة العمل الصادق، ( فإذا شغلوا) بالله ( فقدروا) عن الأوصاف البشرية، واتصفوا بالأوصاف الملكوتية ( فإذا فقدوا) وحصلت لهم هذه المرتبة أنزل الله حبهم في قلوب أهل السماء والأرض، و ( طلبوا فإذا طلبوا هربوا) من الخلق سلامة لدينهم وجمعا لخواطر قلوبهم أورده صاحب القوت، عن سفيان الثوري، ولفظه كان الناس إذا طلبوا العلم عملوا فإذا عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا، وقال آخر: العالم إذا هرب من الناس فاطلبه وإذا طلب الناس فاهرب منه اهـ .

وأخرج [ ص: 392 ] أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في التاريخ، من رواية الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: قدم عطاء الخراساني على هشام، فنزل على مكحول، فقال لمكحول: ههنا أحد يحركنا، قال: نعم يزيد بن ميسرة، فأتوه، فقال عطاء حركنا رحمك الله، قال: نعم، كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا، قال: أعد علي، فأعاد فرجع عطاء، ولم يلق هشاما.

( وكتب) أمير المؤمنين أبو حفص ( عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، المدني، ثم الدمشقي، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة، وصلى أنس خلفه وقال: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، وكان ثقة مأمونا، له فقه وعلم، وورع، وروى حديثا كثيرا، وكان إماما عدلا رحمه الله، ورضي عنه، ومات سنة إحدى ومائة بدير سمعان ( إلى الحسن) البصري ( رحمهما الله تعالى) .

قال صاحب القوت: حدثونا عن زكريا بن يحيى الطائي، قال: حدثني عمي زحر بن حصين، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن: ( أما بعد فأشر علي بقوم) أي: عرفني بهم أصاحبهم و ( أستعين بهم على أمر الله فكتب إليه) الحسن: بعد الحمدلة، والصلاة ( أما أهل الدين فلا يريدونك) أي: لما أنت فيه من تحمل أعباء الملك، ( وأما أهل الدنيا فلا تريدهم) لميلهم إليها فلا ينصحونك، ( ولكن عليك بالأشراف) ذوي الأنساب الصريحة ( فإنهم يصونون شرفهم) أي: يحفظونه ( من أن يدنسوه) أي: يوسخوه ( بالخيانة) في النصح في أوامر الله تعالى ( هذا في عمر بن عبد العزيز، وكان أزهد أهل زمانه) ، وأعبدهم وأعلمهم، قال خصيف: ما رأيت رجلا قط خيرا منه، وقال مجاهد: أتيناه نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه، وقال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء، عنده إلا تلامذة ( فإذا كان شرط أهل الدين) والعلماء المتقين ( الهرب منه) والفرار من مخالطته، ( فكيف يستتب) أي: يستقيم ( طلب غيره ومخالطته) وليس فيه شيء من تلك الأوصاف، ( ولم يزل السلف) الصالحون ( مثل الحسن) البصري، ( و) سفيان ( الثوري و) عبد الله ( ابن المبارك، والفضيل) بن عياض ( وإبراهيم بن أدهم) الزاهد، ( ويوسف بن أسباط يتكلمون في علماء الدنيا من أهل مكة والشام) ، ونص القوت بعد ذكره جواب الحسن لعمر بن عبد العزيز ما نصه: وكان الحسن يتكلم في بعض علماء البصرة، ويذمهم، وكان أبو حازم، وربيعة المدنيان يذمان علماء بني مروان، وقد كان الثوري وابن المبارك وأيوب، وابن عون يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل الكوفة، وكان الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل مكة، والشام، كرهنا أن نسمي المتكلم فيهم; لأن السكوت أقرب إلى السلامة، إلى هنا كلامه .

وقد اختصره المصنف كما ترى وهو اختصار مضر، إذ الثوري وابن المبارك لم يتكلما في علماء مكة والشام، وتفصيل ذلك يظهر لمن طالع تراجمهم في الحلية، وغيرها، ثم قال المصنف: ( إما لميلهم إلى الدنيا) وإيثارهم إياها على الآخرة، ( أو لمخالطتهم السلاطين) والأمراء، فكان كلامهم في هؤلاء تضحية لهم في دين الله تعالى لا لغرض نفساني حماهم الله تعالى من ذلك .




الخدمات العلمية