الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
16738 - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، قال قائل: لا أنفي أحدا فقيل لبعض من يقول قوله: ولم رددت النفي في الزنا ، وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، والناس عندنا إلى اليوم؟.

16739 - قال: رددته بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسافر المرأة سفرا يكون ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" .

16740 - فقلت له: سفر المرأة شيء حيطت به المرأة فيما يلزمها من الأسفار ، وقد نهيت أن تخلو في المصر برجل ، وأمرت بالقرار في بيتها ، وقيل لها: صلاتك في بيتك أفضل لئلا تعرضي أن تفتني أو يفتن بك. وليس هذا مما يلزمها بسبيل ، [ ص: 293 ] .

16741 - ثم بسط الكلام في الجواب عنه إلى أن قال: أرأيت إن كانت ببادية لا قاضي عند قريتها إلا على ثلاث ليال أو أكثر ، فادعى عليها مدع حقا ، أو أصابت حدا؟ .

16742 - قال: ترفع إلى القاضي .

16743 - قلنا: مع غير ذي محرم؟ .

16744 - قال: نعم .

16745 - قلنا: فقد أبحت لها أن تسافر ثلاثا أو أكثر مع غير ذي محرم؟ .

16746 - قال: هذا يلزمها .

16747 - قلنا: فهذا يلزمها برأيك فأبحته لها ومنعتها منه فيما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر به عن الله عز وجل فيها .

16748 - ثم ساق الكلام إلى أن قال: فلم لا يكون الرجل إذا كان لا يحتاج إلى محرم منفيا ، والنفي حده .

16749 - قال: فقد عمر رجلا ، وقال: لا أنفي بعده .

16750 - قلنا: عمر نفى في الخمر، والنفي في السنة على الزاني والمخنث ، وفي الكتاب على المحارب ، وهو خلاف نفيهما ، فإن رأى عمر نفيا في الخمر ، ثم رأى أن يدعه ، فليس الخمر بالزنا ، وقد نفى عمر في الزنا فكيف لم تحتج بنفي عمر في الزنا ، وقد قلنا نحن وأنت: وأن ليس في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة [ ص: 294 ] .

16751 - قال أحمد: جاء من يدعي تسوية الآثار على مذهبه وعارض ما ذكرنا من الأخبار في نفي البكر بحديث أبي هريرة ، وزيد بن خالد الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. قال: "إذا زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت ، فاجلدوها ، ثم بيعوها ، ولو بضفير" .

16752 - وقال: إن كان سكوت النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنيس عن ذكر الجلد يدل على رفع الجلد فسكوته ها هنا عن ذكر النفي يدل على رفع النفي .

16753 - قال أحمد: خالف هذا الشيخ حديث عبادة بن الصامت ، وأبي هريرة ، وزيد بن خالد الجهني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفي البكر ، وخالف مذهب الخلفاء الراشدين فيه ، ومن رويناه عن سواهم ، وزعم أنه ذهب فيه إلى حديث زيد ، وأبي هريرة في الأمة إذا زنت فاجلدوها. وهو يخالف حديثهما في الأمة فيما ورد فيه الخبر ، وذاك لأن الخبر يدل على أن للسادات أن يجلدوا إماءهم إذا زنين ، ولا يجوز ذلك عند السادات ، فهو مخالف لجميع ما ورد فيه من الأحاديث .

16754 - وأما الشافعي رحمه الله فإنه قال بالأحاديث التي وردت في نفي البكر. وقال: بهذا الحديث في جلد السيد أمته إذا زنت.

16755 - وأما نفيها فقد أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال: قال الشافعي : " اختلف أصحابنا في نفيهما يعني نفي العبد والأمة ، فمنهم من قال: لا ينفيان ، كما لا يرجمان ، ولو نفيا نصف سنة ، وهذا مما أستخير الله فيه " ، [ ص: 295 ] .

16756 - فهو ذا يشير إلى التوقف في نفيهما ، وقد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أنهما لا ينفيان .

16757 - وحكاه أبو الزناد عن أصحابه ، وهو مذهب مالك .

16758 - فعلى هذا قد قلنا بظاهر هذه الأحاديث لم نخالف شيئا منها ، وإن قلنا بنفيهما فلم نخالف فيما قلنا إجماعا ، فقد روى أبو بكر بن المنذر صاحب الخلافيات عن عبد الله بن عمر أنه حد مملوكة له في الزنا ، ونفاها إلى فدك.

16759 - وأخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، أن "عبدا كان يقوم على رقيق الخمس وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق ، فوقع بها ، فجلده عمر ونفاه ولم يجلد الوليدة ، لأنه استكرهها" .

16760 - وهذا في الموطأ عن مالك ، وهو إن كان مرسلا فنافع مولى ابن عمر كان مشهورا بالرواية عن الثقات ، وبالعناية بأخبار آل عمر .

16761 - ورواه الليث بن سعد ، عن نافع ، عن صفية بنت أبي عبيد ، [ ص: 296 ] .

16762 - وروي في ، ذلك أيضا عن علي بن أبي طالب ، وفي إسناد حديثه نظر.

التالي السابق


الخدمات العلمية