الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
16856 - وبسط الكلام فيه ، ثم قال: ثم جاء من يدعي تسوية الأخبار على مذهبه ، وحمل الخبر الذي رويناه في هذا الباب على أنه إنما أمر بقتله لأنه كان قد استحله ، فصار به مرتدا محاربا.

16857 - واحتج بما روينا في ، حديث يزيد بن البراء عن أبيه ، قال لقيت عمي ومعه راية ، فقلت: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه ، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله".

16858 - وبحديث معاوية بن قرة ، عن أبيه ، أن "النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه ، ويخمس ماله" .

16859 - قال: فدل على أنه كان مرتدا محاربا ، لأن المرتد الذي لم يحارب لا يخمس ماله .

16860 - وهذا الذي ذكره ليس في الحديث منه شيء لا الاستحلال ولا المحاربة ، ولو جاز دعوى الاستدلال في هذا لجاز مثلها في زنا من رجم لأن أهل الجاهلية كانوا يستحلون الزنا .

16861 - وفي حديث أبي الجهم عن البراء ، "أنهم أطافوا بقبة ، فاستخرجوا رجلا" فأين المحاربة هنا؟ ثم إن كان الأمر على ما قال من الاستحلال فهو حجة عليه في أن مال المرتد لا يكون لورثته ، وتخميسه لا ينافي مذهب الشافعي فإنه يوجف الخمس فيما أوجف عليه من الغنيمة ، وفيما لم يوجف عليه من أموال الفيء .

16862 - قال الشافعي : الخمس ثابت لأهله في كل ما أخذ من مشرك غنيمة كانت أو فيئا ، والفيء ما رده الله على أهل دينه من مال من خالف دينه .

16863 - قال أحمد: وإن كان فعله على وجه الاستحلال ، فهو حجة عليه في [ ص: 322 ] وجوب الحد عليه ، وقول الراوي: "إلى رجل نكح امرأة أبيه" يدل على العقد ، وقول الآخر: "إلى رجل عرس بامرأة أبيه" يدل على الدخول .

16864 - وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر الخبر في إيجاب القتل به بكل حال لعظيم التحريم ، وذهب بعضهم إلى أن ذلك كان قبل نزول الحدود في سورة النور قبل بيان النبي صلى الله عليه وسلم رجم الثيب الزاني ، فلما نزلت وبين ذلك صار الأمر إلى ذلك قالوا: ثم أنه إنما نسخ منه كيفية القتل ، فأما أصل وجوب القتل فإنه لم يقم دلالة إلى نسخه فهو باق على الوجوب ، والله أعلم.

[ ص: 323 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية