الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمِنَ النَّاسِ ) : الْوَاوُ دَخَلَتْ هُنَا لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ اسْتَوْعَبَتْ أَقْسَامَ النَّاسِ ; فَالْآيَاتُ الْأُوَلُ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الْمُخْلِصِينَ فِي الْإِيمَانِ وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) تَضَمَّنَ ذِكْرَ مَنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ وَأَبْطَنَهُ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ مَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ ، وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ ، فَمِنْ هُنَا دَخَلَتِ الْوَاوُ لِتُبَيِّنَ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ ، وَمِنْ هُنَا لِلتَّبْعِيضِ ، وَفُتِحَتْ نُونُهَا وَلَمْ تُكْسَرْ ; لِئَلَّا تَتَوَالَى الْكَسْرَتَانِ . وَأَصْلُ النَّاسِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أُنَاسٌ ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ ، وَهِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ ، وَجُعِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَالْعِوَضِ مِنْهَا ، فَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ النَّاسُ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ أُنَاسٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، فَالْأَلِفُ فِي النَّاسِ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأُنْسِ . وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ فِي الْكَلِمَةِ حَذْفٌ ، وَالْأَلِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ وَهِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ نَاسَ يَنُوسُ نَوْسًا ، إِذَا تَحَرَّكَ وَقَالُوا فِي تَصْغِيرِهِ نُوَيْسٌ . قَوْلُهُ : ( مَنْ يَقُولُ ) ( مَنْ ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ ، وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ أَوْ هُوَ مُرْتَفِعٌ بِالْجَارِّ قَبْلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَ ( مَنْ ) هُنَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ، وَيَقُولُ صِفَةٌ لَهَا وَيَضْعُفُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي ; لِأَنَّ الَّذِي يَتَنَاوَلُ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ وَالْمَعْنَى هَاهُنَا عَلَى الْإِيهَامِ وَالتَّقْدِيرِ ، وَمِنَ النَّاسِ فَرِيقٌ يَقُولُ . وَ ( مَنْ ) مُوَحَّدَةُ اللَّفْظِ ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَالضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَيْهَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ حَمْلًا عَلَى لَفْظِهَا ، وَأَنْ يُثَنَّى وَيُجْمَعَ وَيُؤَنَّثَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَاهَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَالضَّمِيرُ فِي يَقُولُ مُفْرَدٌ ، وَفِي آمَنَّا وَمَا هُمْ جَمْعٌ . وَالْأَصْلُ فِي يَقُولُ يَقْوُلُ بِسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الْوَاوِ ; لِأَنَّهُ نَظِيرُ يَقْعُدُ وَيَقْتُلُ ، وَلَمْ يَأْتِ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ ، فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الْوَاوِ إِلَى الْقَافِ ; لِيَخِفَّ اللَّفْظُ بِالْوَاوِ وَمِنْ هَاهُنَا إِذَا أَمَرْتَ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى الْهَمْزَةِ ; بَلْ تَقُولُ : قُلْ ; لِأَنَّ فَاءَ الْكَلِمَةِ قَدْ تَحَرَّكَتْ فَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى هَمْزَةِ الْوَصْلِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( آمَنَّا ) : أَصْلُ الْأَلِفِ هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ، فَقُلِبَتْ أَلِفًا لِئَلَّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتَانِ ، وَكَانَ قَلْبُهَا أَلِفًا مِنْ أَجْلِ الْفَتْحَةِ قَبْلَهَا ، وَوَزْنُ آمَنَ أَفْعَلَ مِنَ الْأَمْنِ . وَ : ( الْآخِرِ ) فَاعِلٌ فَالْأَلِفُ فِيهِ غَيْرُ مُبْدَلَةٍ مِنْ شَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( وَمَا هُمْ ) هُمْ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَرْفُوعٌ بِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَمُبْتَدَأٌ عِنْدَ تَمِيمٍ ، وَالْبَاءُ فِي الْخَبَرِ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ، غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِشَيْءٍ ، وَهَكَذَا كُلُّ حَرْفِ جَرٍّ زِيدَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَوِ الْخَبَرِ أَوِ الْفَاعِلِ وَمَا تَنْفِي مَا فِي الْحَالِ ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ . قَالَ تَعَالَى : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 9 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ ) فِي الْجُمْلَةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا مَوْضِعَ لَهَا . وَالثَّانِي : مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ ، وَفِي صَاحِبِ الْحَالِ وَالْعَامِلِ فِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : هِيَ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقُولُ ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا يَقُولُ ، وَالتَّقْدِيرُ : يَقُولُ آمَنَّا مُخَادِعِينَ ، وَالثَّانِي : هِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ بِمُؤْمِنِينَ ، وَالْعَامِلُ فِيهَا اسْمُ الْفَاعِلِ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ فِي حَالِ خِدَاعِهِمْ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ لِمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نَفْيَ خِدَاعِهِمْ ، وَالْمَعْنَى عَلَى إِثْبَاتِ الْخِدَاعِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمَنَّا ، لِأَنَّ آمَنَّا مَحْكِيٌ عَنْهُمْ بِـ ( يَقُولُ ) ، فَلَوْ كَانَ يُخَادِعُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمَنَّا ، لَكَانَتْ مَحْكِيَّةً أَيْضًا ، وَهَذَا مُحَالٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ مَا قَالُوا آمَنَّا وَخَادَعْنَا . وَالثَّانِي أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ يُخَادِعُونَ ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ لَكَانَ : نُخَادِعُ بِالنُّونِ . وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : ( يُخَادِعُونَ ) نَبِيَّ اللَّهِ . وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَمَا يُخَادِعُونَ ) وَأَكْثَرُ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلِفِ ، وَأَصْلُ الْمُفَاعَلَةِ أَنْ تَكُونَ مِنَ اثْنَيْنِ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ هُنَا ; لِأَنَّهُمْ فِي خِدَاعِهِمْ يُنْزِلُونَ أَنْفُسَهُمْ مَنْزِلَةَ أَجْنَبِيٍّ يَدُورُ الْخِدَاعُ بَيْنَهُمَا ، فَهُمْ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ تَخْدَعُهُمْ ، وَقِيلَ الْمُفَاعَلَةُ هُنَا مِنْ وَاحِدٍ ; كَقَوْلِكَ سَافَرَ الرَّجُلُ ، وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ . وَيُقْرَأُ يَخْدَعُونَ بِغَيْرِ أَلِفٍ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ لِلْخَدْعِ الشَّيْطَانُ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَمَا يَخْدَعُهُمُ الشَّيْطَانُ . ( إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) أَيْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَأَنْفُسُهُمْ نُصِبَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ ، وَلَيْسَ نَصْبُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ قَبْلَ إِلَّا . قَالَ تَعَالَى : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَزَادَهُمُ اللَّهُ ) زَادَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا كَقَوْلِكَ زَادَ الْمَاءُ وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ زِدْتُهُ دِرْهَمًا وَعَلَى هَذَا جَاءَ فِي الْآيَةِ . وَيَجُوزُ إِمَالَةُ الزَّايِ ; لِأَنَّهَا تُكْسَرُ فِي قَوْلِكَ زِدْتُهُ وَهَذَا يَجُوزُ فِيمَا عَيْنُهُ وَاوٌ مِثْلُ خَافَ إِلَّا أَنَّهُ أَحْسَنُ فِيمَا عَيْنُهُ يَاءٌ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَلِيمٌ ) هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِكَ آلَمَ فَهُوَ مُؤْلِمٌ ، وَجَمْعُهُ أُلَمَاءُ وَإِلَامٌ ، مِثْلُ شَرِيفٍ وَشُرَفَاءَ وَشِرَافٍ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٌ صِفَةٌ لِأَلِيمٍ ، وَتَتَعَلَّقُ الْبَاءُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : أَلِيمٌ كَائِنٌ بِتَكْذِيبِهِمْ أَوْ مُسْتَحَقٌّ ، وَمَا هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ ، وَصِلَتُهَا يَكْذِبُونَ ، وَلَيْسَتْ كَانَ صِلَتَهَا ; لِأَنَّهَا النَّاقِصَةُ ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ مِنْهَا مَصْدَرٌ ، وَيَكْذِبُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ ، وَمَا الْمَصْدَرِيَّةُ حَرْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، وَاسْمٌ عِنْدَ الْأَخْفَشِ ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا يَعُودُ عَلَيْهَا مِنْ صِلَتِهَا شَيْءٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية