الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ( 158 ) ) .

قوله تعالى : ( إن الصفا ) : ألف الصفا مبدلة من واو ; لقولهم في تثنيته صفوان . و ( من شعائر ) : خبر إن ; وفي الكلام حذف مضاف ; تقديره : إن طواف الصفا أو سعي الصفا ، والشعائر جمع شعيرة ، مثل صحيفة وصحائف ، والجيد همزها ; لأن الياء زائدة .

[ ص: 109 ] ( فمن ) : في موضع رفع بالابتداء ، وهي شرطية ، والجواب ( فلا جناح ) .

واختلفوا في تمام الكلام هنا ; فقيل تمام الكلام فلا جناح ، ثم يبتدئ فيقول : " عليه أن يطوف " ; لأن الطواف واجب ، وعلى هذا خبر " لا " محذوف ; أي لا جناح في الحج . والجيد أن يكون عليه في هذا الوجه خبرا ، وأن يطوف مبتدأ .

ويضعف أن يجعل إغراء ; لأن الإغراء إنما جاء مع الخطاب . وحكى سيبويه عن بعضهم : عليه رجلا ليسني .

قال : وهو شاذ لا يقاس عليه . والأصل أن يتطوف ، فأبدلت التاء طاء .

وقرأ ابن عباس أن يطاف ، والأصل أن يتطاف ، وهو يفتعل من الطواف .

وقال آخرون : الوقف على " بهما " وعليه خبر لا والتقدير على هذا فلا جناح عليه في أن يطوف ، فلما حذف في جعلت أن في موضع نصب ، وعند الخليل في موضع جر ، وقبل التقدير : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ; لأن الصحابة كانوا يمتنعون من الطواف بهما لما كان عليهما من الأصنام ; فمن قال هذا لم يحتج إلى تقدير لا .

( ومن تطوع ) : يقرأ على لفظ الماضي ، فمن على هذا يجوز أن تكون بمعنى الذي والخبر " فإن الله " والعائد محذوف تقديره له ، ويجوز أن يكون " من " شرطا ، والماضي بمعنى المستقبل .

وقرئ : " يطوع " على لفظ المستقبل ، فمن على هذا شرط لا غير ; لأنه جزم بها ، وأدغم التاء في الطاء . و ( خيرا ) : منصوب بأنه مفعول به ، والتقدير : بخير ، فلما حذف الحرف وصل الفعل ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ; أي تطوعا خيرا .

وإذا جعلت من شرطا لم يكن في الكلام حذف ضمير ; لأن ضمير من في يطوع .

قال تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ( 159 ) ) .

قوله تعالى : ( من البينات ) : " من " يتعلق بمحذوف ; لأنها حال من " ما " أو من العائد [ ص: 110 ] المحذوف ; إذ الأصل ما أنزلناه ، ويجوز أن يتعلق بـ ( أنزلنا ) على أن يكون مفعولا به . ( من بعد ) : من يتعلق بـ ( يكتمون ) ، ولا يتعلق بـ ( أنزلنا ) لفساد المعنى ; لأن الإنزال لم يكن بعد التبيين ، إنما الكتمان بعد التبيين .

( في الكتاب ) : في متعلقة بـ ( بينا ) ، وكذلك اللام ، ولم يمتنع تعلق الجارين به ; لاختلاف معناهما . ويجوز أن يكون " في " حالا ; أي كائنا في الكتاب . ( أولئك يلعنهم ) : مبتدأ وخبر في موضع خبر إن . ( ويلعنهم ) : يجوز أن يكون معطوفا على " يلعنهم " الأولى ، وأن يكون مستأنفا .

قال تعالى : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا . . . . ( 160 ) ) .

قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا ) : استثناء متصل في موضع نصب ، والمستثنى منه الضمير في يلعنهم ، وقيل هو منقطع لأن الذين كتموا لعنوا قبل أن يتوبوا ، وإنما جاء الاستثناء لبيان قبول التوبة لا لأن قوما من الكاتمين لم يلعنوا .

قال تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ( 161 ) ) .

قوله تعالى : ( أولئك عليهم لعنة الله ) : قد ذكرناه في قوله : ( أولئك عليهم صلوات ) [ البقرة : 157 ] وقرأ الحسن : ( والملائكة والناس أجمعون ) بالرفع ، وهو معطوف على موضع اسم الله ; لأنه في موضع رفع ; لأن التقدير أولئك عليهم أن يلعنهم الله ; لأنه مصدر أضيف إلى الفاعل .

التالي السابق


الخدمات العلمية