الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ( 32 ) ) .

قوله تعالى : ( سبحانك ) : سبحان اسم واقع موقع المصدر ، وقد اشتق منه سبحت والتسبيح ، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا ; لأن الإضافة تبين من المعظم ، فإذا أفرد عن الإضافة كان اسما علما للتسبيح لا ينصرف للتعريف ، والألف والنون في آخره مثل عثمان ، وقد جاء في الشعر منونا على نحو تنوين العلم إذا نكر ، وما يضاف إليه مفعول به ; لأنه المسبح .

ويجوز أن يكون فاعلا ; لأن المعنى تنزهت ، وانتصابه على المصدر بفعل محذوف تقديره سبحت الله تسبيحا .

( إلا ما علمتنا ) : ما مصدرية ; أي إلا علما علمتناه ، وموضعه رفع على البدل من موضع لا علم كقولك : لا إله إلا الله .

ويجوز أن تكون ما بمعنى الذي ، ويكون علم بمعنى معلوم أي لا معلوم لنا إلا الذي علمتناه ، ولا يجوز أن تكون ما في موضع نصب بالعلم ; لأن اسم لا إذا عمل فيما بعده لا يبنى . ( إنك أنت العليم ) : أنت مبتدأ ، والعليم خبره ، والجملة خبر إن .

ويجوز أن يكون أنت توكيدا للمنصوب ، ووقع بلفظ المرفوع لأنه هو الكاف في المعنى ; ولا يقع هاهنا إياك للتوكيد ; لأنها لو وقعت لكانت بدلا ، وإياك لم يؤكد بها .

ويجوز أن يكون فصلا لا موضع لها من الإعراب .

و ( الحكيم ) : خبر ثان ، أو صفة للعليم على قول من أجاز صفة الصفة ، وهو صحيح ; لأن هذه الصفة هي الموصوف في المعنى .

والعليم بمعنى العالم . وأما الحكيم فيجوز أن يكون بمعنى الحاكم ، وأن يكون بمعنى المحكم .

قال تعالى : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( 33 ) ) .

قوله تعالى : ( أنبئهم ) : يقرأ بتحقيق الهمزة على الأصل ، وبالياء على تليين الهمزة ، ولم نقلبها قلبا قياسا ; لأنه لو كان كذلك لحذفت الياء كما تحذف من قولك : أبقهم من بقيت .

[ ص: 47 ] وقد قرئ أنبهم بكسر الباء من غير همزة وياء على أن يكون إبدال الهمزة ياء إبدالا قياسيا .

وأنبأ يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد ، وإلى الثاني بحرف الجر ، وهو قوله : بأسمائهم وقد يتعدى بعن ; كقولك : أنبأته عن حال زيد . وأما قوله تعالى : ( قد نبأنا الله من ) [ التوبة : 94 ] فيذكر في موضعه .

( وأعلم ما تبدون ) : مستأنف ، وليس بمحكي بقوله : ألم أقل لكم ، ويجوز أن يكون محكيا أيضا ، فيكون في موضع نصب . وتبدون وزنه تفعون ، والمحذوف منه لامه وهي واو ; لأنه من بدا يبدو .

والأصل في الياء التي في : إني أن تحرك بالفتح ; لأنها اسم مضمر على حرف واحد ، فتحرك مثل الكاف في إنك فمن حركها أخرجها على الأصل ، ومن سكنها استثقل حركة الياء بعد الكسرة .

قال تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ( 34 ) ) .

قوله تعالى : ( للملائكة اسجدوا ) : الجمهور على كسر التاء . وقرئ بضمها ، وهي قراءة ضعيفة جدا ، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الراوي لم يضبط على القارئ ، وذلك أن يكون القارئ أشار إلى الضم تنبيها على أن الهمزة المحذوفة مضمومة في الابتداء ، ولم يدرك الراوي هذه الإشارة .

وقيل إنه نوى الوقف على التاء ساكنة ، ثم حركها بالضم إتباعا لضمة الجيم ، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوقف . ومثله ما حكي عن امرأة رأت نساء معهن رجل ، فقالت : أفي السو تنتنه ، بفتح التاء ، وكأنها نوت الوقف على التاء ، ثم ألقت عليها حركة الهمزة فصارت مفتوحة .

[ ص: 48 ] ( إلا إبليس ) : استثناء منقطع ; لأنه لم يكن من الملائكة . وقيل هو متصل ; لأنه كان في الابتداء ملكا . وهو اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف .

وقيل : هو عربي ، واشتقاقه من الإبلاس ، ولم ينصرف للتعريف ، وإنه لا نظير له في الأسماء ، وهذا بعيد ، على أن في الأسماء مثله ، نحو : إخريط ، وإجفيل ، وإصليت ، ونحوه . ( وأبى ) : في موضع نصب على الحال من إبليس ; تقديره : ترك السجود كارها له ومستكبرا .

( وكان من الكافرين ) : مستأنف ; ويجوز أن يكون في موضع حال أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية