الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ( 42 ) ) .

قوله تعالى : ( وإذ قالت ) : تقديره : واذكر إذ قالت وإن شئت كان معطوفا على : ( إذ قالت امرأة عمران ) [ آل عمران 35 ] والأصل في اصطفى اصتفى ، ثم أبدلت التاء طاء ; لتوافق الصاد في الإطباق .

وكرر اصطفى إما توكيدا وإما ليبين من اصطفاها عليهم .

قال تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ( 44 ) ) .

قوله تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب ) يجوز أن يكون التقدير : الأمر ذلك ; فعلى هذا " من أنباء الغيب " حال من ذا ، ويجوز أن يكون ذلك مبتدأ ، ومن أنباء خبره .

ويجوز أن يكون " نوحيه " خبر ذلك ، و ( من أنباء ) حالا من الهاء في نوحيه .

ويجوز أن يكون متعلقا بنوحيه ; أي الإيحاء مبدوء به من أنباء الغيب .

[ ص: 211 ] ( إذ يلقون ) : ظرف لكان . ويجوز أن يكون ظرفا للاستقرار الذي تعلق به لديهم .

والأقلام جمع قلم ، والقلم بمعنى المقلوم ; أي المقطوع ; كالنقض بمعنى المنقوض ; والقبض بمعنى المقبوض .

( أيهم يكفل مريم ) : مبتدأ وخبر في موضع نصب ; أي يقترعون أيهم ، فالعامل فيه ما دل عليه " يلقون " و ( إذ يختصمون ) مثل : ( إذ يلقون ) .

ويختصمون بمعنى اختصموا ، وكذلك يلقون ; أي ألقوا . ويجوز أن يكون حكى الحال .

قال تعالى : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ( 45 ) ) .

قوله تعالى : ( إذ قالت الملائكة ) : إذ بدل من إذا التي قبلها .

ويجوز أن يكون ظرفا ليختصمون ، ويجوز أن يكون التقدير : اذكر . ( منه ) : في موضع جر صفة للكلمة ، ومن هنا لابتداء الغاية .

( اسمه ) : مبتدأ ، و " المسيح " خبره ، و " عيسى " بدل منه ، أو عطف بيان .

ولا يجوز أن يكون خبرا آخر ; لأن تعدد الأخبار يوجب تعدد المبتدأ . والمبتدأ هنا مفرد ، وهو قوله اسمه ، ولو كان عيسى خبرا آخر لكان أسماؤه أو أسماؤها على تأنيث الكلمة ، والجملة صفة لكلمة . و ( ابن مريم ) : خبر مبتدأ محذوف ; أي هو ابن . . . .

ولا يجوز أن يكون بدلا مما قبله ولا صفة ; لأن ابن مريم ليس باسم ، ألا ترى أنك لا تقول اسم هذا الرجل ابن عمرو إلا إذا كان قد علق علما عليه .

وإنما ذكر الضمير في اسمه على معنى الكلمة ; لأن المراد بيبشرك بمكون أو مخلوق . ( وجيها - ومن المقربين - ويكلم ) : أحوال مقدرة ، وصاحبها معنى الكلمة ، وهو مكون أو مخلوق . وجاز أن ينتصب الحال عنه وهو نكرة ; لأنه قد وصف .

ولا يجوز أن يكون أحوالا من المسيح ، ولا من عيسى ، ولا من ابن مريم ; لأنها أخبار ، والعامل فيها الابتداء أو المبتدأ أو هما ، وليس شيء من ذلك يعمل في الحال .

ولا يجوز أن تكون أحوالا من الهاء في اسمه ; للفصل الواقع بينهما ، ولعدم العامل في الحال .

قال تعالى : ( ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ( 46 ) ) .

قوله تعالى : ( في المهد ) يجوز أن يكون حالا من الضمير في يكلم ; أي يكلمهم صغيرا . ويجوز أن يكون ظرفا .

[ ص: 212 ] : ( وكهلا ) : يجوز أن يكون حالا معطوفة على وجيها ، وأن يكون معطوفا على موضع " في المهد " إذا جعلته حالا . ( ومن الصالحين ) : حال معطوفة على وجيها .

قال تعالى : ( قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ( 47 ) ) .

قوله تعالى : ( كذلك الله يخلق ) : قد ذكر في قوله : ( كذلك الله يفعل ما يشاء ) [ آل عمران : 40 ] قصة زكريا .

و ( إذا قضى أمرا ) : مشروح في البقرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية