الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ( 178 ) ) .

قوله تعالى : ( الحر بالحر ) : مبتدأ وخبر ; والتقدير : الحر مأخوذ بالحر .

( فمن عفي له ) : من في موضع رفع بالابتداء ، ويجوز أن تكون شرطية وأن تكون بمعنى الذي . والخبر : ( فاتباع بالمعروف ) : والتقدير : فعليه اتباع .

و ( من أخيه ) : أي من دم أخيه ، و " من " كناية عن ولي القاتل ; أي من جعل له من دم أخيه بدل ، وهو القصاص أو الدية . و ( شيء ) : كناية عن ذلك المستحق .

[ ص: 121 ] وقيل " من " كناية عن القاتل ; والمعنى إذا عفي عن القاتل فقبلت منه الدية .

وقيل : شيء بمعنى المصدر ; أي من عفي له من أخيه عفو ; كما قال : " لا يضركم كيدهم شيئا " ; أي ضيرا . ( وأداء إليه ) : أي إلى ولي المقتول . ( بإحسان ) : في موضع نصب بأداء ، ويجوز أن يكون صفة للمصدر ، وكذلك بالمعروف ، ويجوز أن يكون حالا من الهاء ، أي فعليه اتباعه عادلا ومحسنا ، والعامل في الحال معنى الاستقرار . ( فمن اعتدى ) : شرط " فله " جوابه ، ويجوز أن يكون بمعنى الذي .

قال تعالى : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ( 179 ) ) .

قوله تعالى : ( ياأولي الألباب ) : يقال في الرفع بالواو ; وأولي بالياء في الجر والنصب ، مثل ذوو ، وأولو جمع ، واحده ذو ، من غير لفظه ، وليس له واحد من لفظه .

قال تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ( 180 ) ) .

قوله تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر ) : العامل في إذا كتب والمراد بحضور الموت حضور أسبابه ومقدماته وذلك هو الوقت الذي فرضت الوصية فيه ، وليس المراد بالكتب حقيقة الخط في اللوح بل هو كقوله " كتب عليكم القصاص في القتلى " ونحوه . ويجوز أن يكون العامل في إذا معنى الإصاء وقد دل عليه قوله الوصية .

ولا يجوز أن يكون العامل فيه لفظ الوصية المذكورة في الآية ; لأنها مصدر ، والمصدر لا يتقدم عليه معموله ، وهذا الذي يسمى التبيين .

وأما قوله : ( إن ترك خيرا ) : فجوابه عند الأخفش " الوصية " وتحذف الفاء ; أي فالوصية للوالدين ، واحتج بقول الشاعر .

من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان .

فالوصية على هذا مبتدأ و " وللوالدين " خبره .

وقال غيره جواب الشرط في المعنى ما تقدم من معنى كتب الوصية ; كما تقول : أنت ظالم إن فعلت ، ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب ، وهذا مستقيم على قول من رفع الوصية بكتب ، وهو الوجه ، وقيل المرفوع بكتب الجار والمجرور ، وهو عليكم ، وليس بشيء .

( بالمعروف ) : في موضع نصب على الحال ; أي ملتبسة بالمعروف لا جور فيها .

[ ص: 122 ] ( حقا ) : منصوب على المصدر ; أي حق ذلك حقا .

ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ; أي كتبا حقا ، أو إيصاء حقا .

ويجوز في غير القرآن الرفع بمعنى ; ذلك حق .

و ( على المتقين ) : صفة لحق .

وقيل : هو متعلق بنفس المصدر ، وهو ضعيف ; لأن المصدر المؤكد لا يعمل ، وإنما يعمل المصدر المنتصب بالفعل المحذوف إذا ناب عنه ; كقولك : ضربا زيدا أي اضرب .

قال تعالى : ( فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه . . . . . . . . ( 181 ) ) .

قوله تعالى : ( فمن بدله ) : من شرط في موضع رفع مبتدأ والهاء ضمير الإيصاء ; لأنه بمعنى الوصية ، وقيل هو ضمير الكتب ، وقيل هو ضمير الأمر بالوصية ، أو الحكم المأمور به ، وقيل هو ضمير المعروف . وقيل ضمير الحق .

( بعدما سمعه ) : ما مصدرية .

وقيل : هي بمعنى الذي ; أي بعد الذي سمعه من النهي عن التبديل .

والهاء في : ( إثمه ) : ضمير التبديل الذي دل عليه بدل .

قال تعالى : ( فمن خاف من موص جنفا أو إثما . . . ( 182 ) ) .

قوله تعالى : ( من موص ) : يقرأ بسكون الواو وتخفيف الصاد ، وهو من أوصى ، وبفتح الواو وتشديد الصاد ، وهو من وصى ، وكلتاهما بمعنى واحد .

ولا يراد بالتشديد هنا التكثير ; لأن ذلك إنما يكون في الفعل الثلاثي إذا شدد ، فأما إذا كان التشديد نظير الهمزة فلا يدل على التكثير ، ومثله نزل وأنزل .

و ( من ) : متعلقة بخاف . ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أن تجعل صفة لجنف في الأصل ، ويكون التقدير فمن خاف جنفا كائنا من موص فإذا قدم انتصب على الحال ، ومثله أخذت من زيد مالا إن شئت علقت : من بأخذت ، وإن شئت كان التقدير مالا كائنا من زيد .

التالي السابق


الخدمات العلمية