الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ( 37 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ ) : يُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ ، وَهُوَ فَعِيلٌ مَصْدَرٌ مِثْلُ النَّذِيرِ وَالنَّكِيرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ؛ أَيْ : إِنَّمَا الْمَنْسُوءُ ، وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : إِنَّ نَسْءَ النَّسِيءِ ، أَوْ إِنَّ النَّسِيءَ ذُو زِيَادَةٍ . وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ عَلَى قَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً . وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ السِّينِ ، وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا ، وَهُوَ مَصْدَرُ نَسَأْتُ . وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ السِّينِ ، وَيَاءٍ مُخَفَّفَةٍ بَعْدَهَا عَلَى الْإِبْدَالِ أَيْضًا . ( يُضِلُّ ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ ، وَالْفَاعِلُ " الَّذِينَ " . وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهِمَا وَهِيَ لُغَةٌ ، وَالْمَاضِي ضَلَلْتُ بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى وَكَسْرِهَا ، فَمَنْ فَتَحَهَا فِي الْمَاضِي كَسَرَ الضَّادَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَمَنْ كَسَرَهَا فِي الْمَاضِي فَتَحَ الضَّادَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ ؛ أَيْ : يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَتْبَاعَهُمْ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا ؛ أَيْ : يُضِلُّ اللَّهُ أَوِ الشَّيْطَانُ . ( يُحِلُّونَهُ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا لِلضَّلَالِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا . قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) ( 38 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( اثَّاقَلْتُمْ ) : الْكَلَامُ فِيهَا مِثْلُ الْكَلَامِ فِي ادَّارَأْتُمْ ، وَالْمَاضِي هُنَا بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ ؛ أَيْ : مَا لَكُمْ تَتَثَاقَلُونَ . وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ ؛ أَيْ : أَيَّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي التَّثَاقُلِ ، أَوْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى رَأْيِ الْخَلِيلِ . وَقِيلَ : هُوَ حَالٌ ؛ أَيْ : مَا لَكُمْ مُتَثَاقِلِينَ . ( مِنَ الْآخِرَةِ ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ؛ أَيْ : بَدَلًا مِنَ الْآخِرَةِ . قَالَ تَعَالَى : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( 40 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ ؛ أَيْ : أَحَدَ اثْنَيْنِ . وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْيَاءِ ، وَحَقُّهَا التَّحْرِيكُ ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الضَّرُورَةِ فِي الشِّعْرِ . وَقَالَ قَوْمٌ : لَيْسَ بِضَرُورَةٍ ، وَلِذَلِكَ أَجَازُوهُ فِي الْقُرْآنِ . ( إِذْ هُمَا ) : ظَرْفٌ لِنَصَرَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ " إِذْ " الْأُولَى ، وَمَنْ قَالَ الْعَامِلُ فِي الْبَدَلِ غَيْرُ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ قَدَّرَ هُنَا فِعْلًا آخَرَ ؛ أَيْ : نَصْرَهُ إِذْ هُمَا . ( إِذْ يَقُولُ ) : بَدَلٌ أَيْضًا ، وَقِيلَ : " إِذْ هُمَا " ظَرْفٌ لِثَانِي . ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ) : هِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعِّلَةٍ ؛ أَيْ : أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَا يُسْكِنُهُ . وَالْهَاءُ فِي : " عَلَيْهِ " تَعُودُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ كَانَ مُنْزَعِجًا . وَالْهَاءُ فِي : " أَيَّدَهُ " لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( وَكَلِمَةُ اللَّهِ ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ . وَ ( هِيَ الْعُلْيَا ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، أَوْ تَكُونُ هِيَ فَضْلًا ، وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ ؛ أَيْ : وَجَعَلَ كَلِمَةَ اللَّهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ فِيهِ وَضْعَ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ ؛ إِذِ الْوَجْهُ أَنْ تَقُولَ : كَلِمَتُهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ كَانَتْ سُفْلَى ، فَصَارَتْ عُلْيَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ تَوْكِيدَ مِثْلِ ذَلِكَ بَهِيٌّ بَعِيدٌ ؛ إِذِ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهَا . قَالَ تَعَالَى : ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ( 42 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا ) : اسْمُ " كَانَ " مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ : وَلَوْ كَانَ مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ . ( لَوِ اسْتَطَعْنَا ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ . وَقُرِئَ بِضَمِّهَا ؛ تَشْبِيهًا لِلْوَاوِ الْأَصْلِيَّةِ بِوَاوِ الضَّمِيرِ ، نَحْوَ : ( اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ ) [ الْبَقَرَةِ : 16 ] . ( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي " يَحْلِفُونَ " .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية